صفي الرحمان مباركفوري

168

الرحيق المختوم

وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال « 1 » . فقد روى البخاري أنهم لما قدموا المدينة آخى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين عبد الرحمن وسعد ابن الربيع ، فقال لعبد الرحمن : إني أكثر الأنصار مالا ، فأقسم مالي . نصفين ، ولي امرأتان ، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي ، أطلقها ، فإذا انقضت عدتها فتزوجها ، قال : بارك اللّه لك في أهلك ومالك ، وأين سوقكم ؟ فدلوه على سوق بني قينقاع ، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن ، ثم تابع الغدو ، ثم جاء يوما وبه أثر صفرة ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « مهيم ؟ » قال : تزوجت . قال : « كم سقت إليها ؟ » قال : نواة من ذهب « 2 » . وروي عن أبي هريرة قال : قالت الأنصار للنبي صلى اللّه عليه وسلم : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل . قال : « لا » . فقالوا : فتكفونا المؤنة ، ونشرككم في الثمرة . قالوا : سمعنا وأطعنا « 3 » . وهذا يدلنا على ما كان عليه الأنصار من الحفاوة البالغة بإخوانهم المهاجرين ، ومن التضحية والإيثار والود والصفاء ، وما كان عليه المهاجرون من تقدير هذا الكرم حق قدره ، فلم يستغلوه ولم ينالوا منه إلا بقدر ما يقيم أودهم . وحقا فقد كانت هذه المؤاخاة حكمة فذة ، وسياسة صائبة حكيمة ، وحلا رائعا لكثير من المشاكل التي كان يواجهها المسلمون ، والتي أشرنا إليها . ميثاق التحالف الإسلامي : وكما قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعقد المؤاخاة بين المؤمنين ، قام بعقد معاهدة أزاح بها كل ما كان من حزازات الجاهلية ، والنزعات القبلية ، ولم يترك مجالا لتقاليد الجاهلية ، وهاك بنودها ملخصا : هذا كتاب من محمد النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم ، وجاهد معهم : 1 - أنهم أمة واحدة من دون الناس . 2 - المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم ، وهم يفدون عانيهم

--> ( 1 ) فقه السيرة ص 140 ، 141 . ( 2 ) صحيح البخاري . باب إخاء النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار 1 / 553 . ( 3 ) صحيح البخاري - باب إذا قال : اكفنى مئونة النخل الخ 1 / 312 .