صفي الرحمان مباركفوري
163
الرحيق المختوم
أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ، فكانوا يأخذون المنافع من عامة العرب أضعافا مضاعفة ، ثم لم يكونوا يقتصرون على ذلك ، بل كانوا أكالين للربا ، كانوا يقرضون شيوخ العرب وساداتهم ، ليكتسب هؤلاء الرؤساء مدائح من الشعراء ، وسمعة بين الناس بعد إنفاقها من غير جدوى ولا طائلة ، ثم كانوا يرتهنون أرض هؤلاء الرؤساء وزروعهم وحوائطهم ، ثم لا يلبثون إلا أعواما حتى يتملكونها . وكانوا أصحاب دسائس ومؤامرات وعتو وفساد ، يلقون العداوة والشحناء بين القبائل العربية المجاورة ، ويغرون بعضها على بعض بكيد خفي لم تكن تشعره تلك القبائل ، فلا تزال في حروب دامية متواصلة ، ولا تزال أنامل اليهود تؤجج نيرانها كلما رأتها تقارب الخمود والانطفاء ، وبعد هذا التحريض والإغراء كانوا يقاعدون على جانب ، يرون ساكتين ما يحل بهؤلاء العرب ، نعم كانوا يزودونهم بقروض ثقيلة ربوية حتى لا يحجموا عن الحرب لعسر النفقة ، وبهذا العمل كانوا يحصلون على منفعتين ، كانوا يتحفظون على كيانهم اليهودي ، وينفقون سوق الربا ؛ ليأكلوه أضعافا مضاعفة ، ويكسبوا ثروات طائلة . وكانت في يثرب منهم ثلاث قبائل مشهورة : 1 - بنو قينقاع ، كانوا حلفاء الخزرج ، وكانت ديارهم داخل المدينة . 2 - بنو النضير ، 3 - بنو قريظة ، وهاتان القبيلتان كانتا حلفاء الأوس ، وكانت ديارهما بضواحي المدينة . وهذه القبائل هي التي كانت تثير الحروب بين الأوس والخزرج منذ أمد بعيد ، وقد ساهمت بأنفسها في حرب بعاث ، كل مع حلفائها . وطبعا فإن اليهود لم يكن يرجى منهم أن ينظروا إلى الإسلام إلا بعين البغض والحقد ، فالرسول لم يكن من جنسهم حتى ليسكن جأش عصبيتهم الجنسية التي كانت متغلبة على نفسياتهم وعقليتهم ، ثم دعوة الإسلام لم تكن إلا دعوة صالحة تؤلف بين أشتات القلوب ، وتطفئ نار العداوة والبغضاء ، وتدعو إلى التزام الأمانة في الشؤون ، وإلى التقيد بأكل الحلال من طيب الأموال ، ومعنى كل ذلك أن قبائل يثرب العربية ستتالف فيما بينها ، وحينئذ لا بد من أن تفلت من براثن اليهود ، فيفشل نشاطهم التجاري ، ويحرموا أموال الربا الذي كانت تدور عليه رحى ثروتهم ، بل ربما يحتمل أن تتيقظ تلك القبائل ،