صفي الرحمان مباركفوري

164

الرحيق المختوم

فتدخل في حسابها الأموال الربوية التي أخذها اليهود ، فتقوم بإرجاع أرضها وحوائطها التي أضاعتها إلى اليهود في تأدية الربا . كان اليهود يدخلون كل ذلك في حسابهم منذ عرفوا أن دعوة الإسلام تحاول الاستقرار في يثرب ، ولذلك كانوا يبطنون أشد العداوة ضد الإسلام وضد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منذ أن دخل يثرب ، وإن كانوا لم يتجاسروا على إظهارها إلا بعد حين . ويظهر ذلك جليا بما رواه ابن إسحاق عن أم المؤمنين صفية رضي اللّه عنها . قال ابن إسحاق : حدثت عن صفية بنت حيي بن أخطب أنها قالت : كنت أحب ولد أبي إليه ، وإلى عمي أبي ياسر ، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه . قالت : فلما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف ، غدا عليه أبي ؛ حيي بن أخطب ، وعمي أبو ياسر بن أخطب ، مغلسين ، قالت : فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس ، قالت : فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهويني . قالت : فهششت إليهما كما كنت أصنع ، فو اللّه ما التفت إلي واحد منهما ، مع ما بهما من الغم . قالت : وسمعت عمي أبا ياسر ، وهو يقول لأبي ، حيي بن أخطب : أهو هو ؟ قال : نعم واللّه ، قال : أتعرفه وتثبته ؟ قال : نعم ، قال : فما في نفسك منه ؟ قال : عداوته واللّه ما بقيت « 1 » . ويشهد بذلك أيضا ما رواه البخاري في إسلام عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه ، فقد كان حبرا من فطاحل علماء اليهود ، ولما سمع بمقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة في بني النجار جاءه مستعجلا ، وألقى إليه أسئلة لا يعلمها إلا نبي ، ولما سمع ردوده صلى اللّه عليه وسلم عليها آمن به ساعته ومكانه ، ثم قال له : إن اليهود قوم بهت ، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك ، فأرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجاءت اليهود ، ودخل عبد اللّه بن سلام البيت ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي رجل فيكم عبد اللّه بن سلام ؟ قالوا : أعلمنا وابن أعلمنا ، وأخيرنا وابن أخيرنا ( وفي لفظ : ) سيدنا وابن سيدنا ، ( وفي لفظ آخر : ) خيرنا وابن خيرنا وأفضلنا وابن أفضلنا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أفرأيتم إن أسلم عبد اللّه ؟ فقالوا : أعاذه اللّه من ذلك ( مرتين أو ثلاثا ) ، فخرج إليهم عبد اللّه فقال : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه . فقالوا : شرنا وابن شرنا ، ووقعوا فيه . وفي لفظ فقال : يا معشر اليهود اتّقوا اللّه ، فو اللّه الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول اللّه ، وأنه جاء بحق . فقالوا : كذبت « 2 » .

--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 518 ، 519 . ( 2 ) انظر صحيح البخاري 1 / 459 ، 556 ، 561 .