صفي الرحمان مباركفوري
139
الرحيق المختوم
حتى أتوا عبد اللّه بن أبي بن سلول ، فجعل يقول : هذا باطل ، وما كان هذا ، وما كان قومي ليفتاتوا على مثل هذا ، لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني . أما المسلمون فنظر بعضهم إلى بعض ، ثم لاذوا بالصمت ، فلم يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات . ومال زعماء قريش إلى تصديق المشركين ، فرجعوا خائبين . تأكد الخبر لدى قريش ومطاردة المبايعين عاد زعماء مكة وهم على شبه اليقين من كذب هذا الخبر ، لكنهم لم يزالوا يتنطسونه - يكثرون البحث عنه ويدققون النظر فيه - حتى تأكد لديهم أن الخبر صحيح ، والبيعة قد تمت فعلا . وذلك بعد ما نفر الحجيج إلى أوطانهم ، فسارع فرسانهم بمطاردة اليثربيين ، ولكن بعد فوات الأوان ، إلا أنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو ، فطاردوهما ، فأما المنذر فأعجز القوم ، وأما سعد فألقوا القبض عليه ، فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ، وجعلوا يضربونه ويجرونه ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة ، فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلصاه من أيديهم . إذ كان سعد يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة ، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه ، فإذا هو قد طلع عليهم ، فوصل القوم جميعا إلى المدينة « 1 » . هذه هي بيعة العقبة الثانية - التي تعرف ببيعة العقبة الكبرى - وقد تمت في جو تعلوه عواطف الحب والولاء والتناصر بين أشتات المؤمنين ، والثقة والشجاعة والاستبسال في هذا السبيل ، فمؤمن من أهل يثرب يحنو على أخيه المستضعف في مكة ، ويتعصب له ، ويغضب من ظالمه ، وتجيش في حناياه مشاعر الود لهذا الأخ الذي أحبه بالغيب في ذات اللّه . ولم تكن هذه المشاعر والعواطف نتيجة نزعة عابرة تزول على مر الأيام ، بل كان مصدرها هو الإيمان باللّه وبرسوله وبكتابه ، إيمان لا يزول أمام أي قوة من قوات الظلم والعدوان ، إيمان إذا هبت ريحه جاءت بالعجائب في العقيدة والعمل ، وبهذا الإيمان استطاع المسلمون أن يسجلوا على أوراق الدهر أعمالا ، ويتركوا عليها آثارا ، خلا عن نظائرها الغابر والحاضر ، وسوف يخلو المستقبل .
--> ( 1 ) زاد المعاد 2 / 51 ، ابن هشام 1 / 448 ، 449 ، 450 .