صفي الرحمان مباركفوري
140
الرحيق المختوم
طلائع الهجرة وبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ، ونجح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة - وهو أخطر كسب حصل عليه الإسلام منذ بداية دعوته - أذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى هذا الوطن . ولم يكن معنى الهجرة إلا إهدار المصالح ، والتضحية بالأموال ، والنجاة بالشخص فحسب ، مع الإشعار بأنه مستباح منهوب ، قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها ، وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم ، لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان . وبدأ المسلمون يهاجرون ، وهم يعرفون كل ذلك ، وأخذ المشركون يحولون بينهم وبين خروجهم ، لما كانوا يحسون من الخطر ، وهاك نماذج من ذلك : 1 - كان من أول المهاجرين أبو سلمة - هاجر قبل العقبة الكبرى بسنة على ما قاله ابن إسحاق - وزوجته وابنه ، فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره : هذه نفسك غلبتنا عليها ، أرأيت صاحبتنا هذه ؟ علام نتركك تسير بها في البلاد ؟ فأخذوا منه زوجته ، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم ، فقالوا : لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا ، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده ، وذهبوا به . وانطلق أبو سلة وحده إلى المدينة ، وكانت أم سلمة بعد ذهاب زوجها ، وضياع ابنها تخرج كل غداة بالأبطح تبكي حتى تمسي ، ومضى على ذلك نحو سنة ، فرق لها أحد ذويها وقال : ألا تخرجون هذه المسكينة ؟ فرقتم بينها وبين زوجها وولدها فقالوا لها : الحقي بزوجك إن شئت ، فاسترجعت ابنها من عصبته ، وخرجت تريد المدينة - رحلة تبلغ خمسمائة كيلو مترا - وليس معها أحد من خلق اللّه ، حتى إذا كانت بالتنعيم لقيها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ، وبعد أن عرف حالها شيعها حتى أقدمها إلى المدينة ، فلما نظر إلى قباء قال : زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة اللّه ، ثم انصرف راجعا إلى مكة « 1 » .
--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 468 ، 469 ، 470 .