صفي الرحمان مباركفوري
110
الرحيق المختوم
والحتوف . بل إن الدعوة الإسلامية تهدف - منذ أول يومها - إلى القضاء على الجاهلية الجهلاء ونظامها الغاشم ، وأن من أهدافها الأساسية بسط النفوذ على الأرض والسيطرة على الموقف السياسي في العالم ، لتقود الأمة الإنسانية والجمعية البشرية إلى مرضاة اللّه . وتخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة اللّه . وكان القرآن ينزل بهذه البشارات - مرة بالتصريح وأخرى بالكناية - ففي تلك الفترات القاصمة التي ضيقت الأرض على المسلمين ، وكادت تخنقهم ، وتقضي على حياتهم ، كانت تنزل الآيات بما جرى بين الأنبياء السابقين وبين أقوامهم الذين قاموا بتكذيبهم والكفر بهم ، وكانت تشتمل هذه الآيات على ذكر الأحوال التي تطابق تماما أحوال مسلمي مكة وكفارها ، ثم تذكر هذه الآيات بما تمخضت عنه تلك الأحوال من إهلاك الكفرة والظالمين ، وإيراث عباد اللّه الأرض والديار . فكانت في هذه القصص إشارات واضحة إلى فشل أهل مكة في المستقبل ، ونجاح المسلمين مع نجاح الدعوة الإسلامية . وفي هذه الفترات نزلت آيات تصرح ببشارة غلبة المؤمنين قال تعالى : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ، فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ [ الصافات : 171 - 177 ] وقال : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [ القمر : 45 ] وقال : جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ [ ص : 11 ] ونزلت في الذين هاجروا إلى الحبشة : وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ، وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [ النحل : 41 ] وسألوه عن قصة يوسف فأنزل اللّه في طيها . لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ [ يوسف : 7 ] أي فأهل مكة السائلون يلاقون ما لاقى إخوانه من الفشل ، ويستسلمون كاستسلامهم ، وقال وهو يذكر الرسل : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ، ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ [ إبراهيم : 13 ، 14 ] وحينما كانت الحرب مشتعلة بين الفرس والرومان ، وكان الكفار يحبون غلبة الفرس بصفتهم مشركين ، والمسلمون يحبون غلبة الرومان بصفتهم مؤمنين باللّه والرسل والوحي والكتب واليوم الآخر وكانت الغلبة للفرس ، أنزل اللّه بشارة غلبة الروم في بضع سنين ، ولكنه لم يقتصر على هذه البشارة الواحدة ، بل صرح ببشارة أخرى وهي نصر اللّه للمؤمنين حيث قال : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ [ الروم : 4 ، 5 ] .