صفي الرحمان مباركفوري

111

الرحيق المختوم

وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نفسه يقوم بمثل هذه البشارات بين آونة وأخرى ، فكان إذا وافى الموسم ، وقام بين الناس في عكاظ ومجنة وذي المجاز ، لتبليغ الرسالة ، لم يكن يبشرهم بالجنة فحسب ، بل يقول لهم بكل صراحة ، يا أيها الناس قولوا لا إله إلا اللّه تفلحوا ، وتملكوا بها العرب ، وتدين لكم بها العجم ، فإذا متم كنتم ملوكا في الجنة « 1 » . وقد أسلفنا ما أجاب به النبي صلى اللّه عليه وسلم عتبة بن ربيعة حين أراد مساومته على رغائب الدنيا ، وما فهمه ورجاه عتبة من ظهور أمره عليه الصلاة والسلام . وكذلك ما أجاب به النبي صلى اللّه عليه وسلم آخر وفد جاء إلى أبي طالب ، فقد صرح لهم أنه يطلب منهم كلمة واحدة يعطونها ، تدين لهم العرب ، ويملكون العجم . قال خباب بن الأرت : أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو متوسد برده ، وهو في ظل الكعبة ، وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلت : ألا تدعو اللّه ، فقعد ، وهو محمر وجهه ، فقال : لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمن اللّه هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا اللّه - زاد بيان الراوي - والذئب على غنمه « 2 » وفي رواية ولكنكم تستعجلون « 3 » . ولم تكن هذه البشارات مخفية مستورة ، بل كانت فاشية مكشوفة ، يعلمها الكفرة ، كما كان يعلمها المسلمون ، حتى كان الأسود بن المطلب وجلساؤه إذا رأوا أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم تغامزوا بهم ، وقالوا : قد جاءكم ملوك الأرض ، سيغلبون على ملوك كسرى وقيصر ، ثم يصفرون ويصفقون « 4 » . وأمام هذه البشارات بالمستقبل المجيد المستنير في الدنيا ، مع ما فيه من الرجاء الصالح الكبير البالغ إلى النهاية في الفوز بالجنة ، كان الصحابة يرون أن الاضطهادات التي تتوالى عليهم من كل جانب ، والمصائب التي تحيط بهم من كل الأرجاء ، ليست إلا : « سحابة صيف عن قليل تقشع » .

--> ( 1 ) رواه الترمذي وقد مضى مرارا . ( 2 ) صحيح البخاري 1 / 543 . ( 3 ) نفس المصدر 1 / 510 . ( 4 ) فقه السيرة ص 84 .