صفي الرحمان مباركفوري

109

الرحيق المختوم

وكبيرها ، فإما إلى النعيم المقيم ، وإما إلى عذاب خالد في سواء الجحيم ، فكانوا يقضون حياتهم بين الخوف والرجاء يرجون رحمة ربهم ويخافون عذابه ، وكانوا : يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ وكانوا يعرفون أن الدنيا بعذابها ونعيمها لا تساوي جناح بعوضة في جنب الآخرة ، وكانت هذه المعرفة القوية تهون لهم متاعب الدنيا ومشاقها ومرارتها ، حتى لم يكونوا يكترثون لها ويلقون إليها بلالا . 5 - القرآن - وفي هذه الفترة العصيبة الرهيبة الحالكة كانت تنزل السور والآيات تقيم الحجج والبراهين على مبادئ الإسلام - التي كانت الدعوة تدور حولها - بأساليب منيعة خلابة ، وترشد المسلمين إلى أسس قدر اللّه أن يتكون عليها أعظم وأروع مجتمع بشري في العالم - وهو المجتمع الإسلامي - وتثير مشاعر المسلمين ونوازعهم على الصبر والتجلد ، تضرب لذلك الأمثال ، وتبين لهم ما فيه من الحكم : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [ البقرة : 214 ] ألم . أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [ العنكبوت : 1 ، 2 ، 3 ] . كما كانت تلك الآيات ترد على إيرادات الكفار والمعاندين ردا مفحما ، ولا تبقي لهم حيلة ، ثم تحذرهم مرة عن عواقب وخيمة - إن أصروا على غيهم وعنادهم - في جلاء ووضوح ، مستدلا بأيام اللّه ، والشواهد التاريخية التي تدل على سنة اللّه في أوليائه وأعدائه ، وتلطفهم مرة ، وتؤدي حق التفهيم والإرشاد والتوجيه ، حتى ينصرفوا عما هم فيه من الضلال المبين . وكان القرآن يسير بالمسلمين في عالم آخر ، ويبصرهم من مشاهد الكون ، وجمال الربوبية ، وكمال الألوهية ، وآثار الرحمة والرأفة ، وتجليات الرضوان ما يحنون إليه حنينا لا يقوم له أي عقبة . وكانت في طي هذه الآيات خطابات للمسلمين ، فيها يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ، وتصور لهم صورة أعدائهم من الكفرة الطغاة الظالمين ، يحاكمون ، ويصادرون ، ثم يسحبون في النار على وجوههم ، ذوقوا مس سقر . 6 - البشارات بالنجاح - ومع هذا كله كان المسلمون يعرفون منذ أول يوم لاقوا فيه الشدة والاضطهاد - بل ومن قبله - أن الدخول في الإسلام ليس معناه جر المصائب