صفي الرحمان مباركفوري
108
الرحيق المختوم
وكان من أثر هذ الحب والتفاني أنهم كانوا ليرضون أن تندق أعناقهم ولا يخدش له ظفر أو يشاك شوكة . وطئ أبو بكر بن أبي قحافة يوما بمكة ، وضرب ضربا شديدا ، دنا منه عتبة بن ربيعة ، فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ، ويحرفهما لوجهه ، ونزا على بطن أبي بكر ، حتى ما يعرف وجهه من أنفه ، وحملت بنو تميم أبا بكر في ثوب ، حتى أدخلوه منزله ، ولا يشكون في موته ، فتكلم آخر النهار فقال : ما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه ، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير : انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه ، فلما خلت به ألحت عليه ، وجعل يقول : ما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : واللّه لا علم لي بصاحبك ، فقال : اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه ، فخرجت حتى جاءت أم جميل ، فقالت : إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد اللّه ، قالت : ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد اللّه ، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك ذهبت ، قالت : نعم فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا ، فدنت أم جميل ، وأعلنت بالصياح ، وقالت : واللّه إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر ، وإني لأرجو أن ينتقم اللّه لك منهم ، قال : فما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قالت : هذه أمك تسمع ، قال : فلا شيء عليك منها ، قالت : سالم صالح ، فقال : أين هو ؟ قالت : في دار ابن الأرقم قال : فإن للّه علي ألّا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأمهلتا ، حتى إذا هدأت الرجل ، وسكن الناس ، خرجتا به ، يتكئ عليهما ، حتى أدخلتاه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . وسننقل نوادر الحب والتفاني في مواقع شتى من هذه المقالة ، ولا سيما ما وقع في يوم أحد ، وما وقع من خبيب وأمثاله . 3 - الشعور بالمسؤولية - فكان الصحابة يشعرون شعورا تاما ما على كواهل البشر من المسؤولية الفخمة الضخمة ، وأن هذه المسؤولية لا يمكن عنها الحياد والانحراف بحال ، فالعواقب التي تترتب على الفرار عن تحملها أشد وخامة وأكبر ضررا عما هم فيه من الاضطهاد ، وأن الخسارة التي تلحقهم - وتلحق البشر جمعاء - بعد هذا الفرار لا يقاس بحال على المتاعب التي كانوا يواجهونها نتيجة هذا التحمل . 4 - الإيمان بالآخرة - وهو مما كان يقوي هذا الشعور - الشعور بالمسؤولية - فقد كانوا على يقين جازم من أنهم يقومون لرب العالمين ، يحاسبون بأعمالهم دقها وجلها ، صغيرها
--> ( 1 ) البداية والنهاية 3 / 30 .