أحمد بن عبد الله الطبري ( المحب الطبري )

36

ذخائر العقبى في مناقب ذوى القربى ( ع ) ( ط . ج )

--> ثمّ أرسل على فترة منهم رسولا عظيما ، ونبيّا رحيما ، يحرص على هداهم رحمة بهم ، ويدعوهم إلى ما فيه سعادتهم ، وحياتهم شفقة عليهم : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ التّوبة : 128 ، وما كانت هذه الشّفقة ، ولا تلك الرّحمة إلّا من فيض العطايا الرّبانية ، والمنح الإلهية الّتي جاد بها على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لخير الإنسانيّة ، وسعادة البشرية كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً الإسراء : 20 ، ولذلك فإنّها تضاعف وتزداد في الآخرة إكراما لنبيّه ، وتقديرا لسمو منزلته ، ورحمة منه لعباده عزّ وجلّ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً الأحزاب : 43 ، وإذا كان يوم القضاء ، واشتد الكرب ، وهال الأمر ، وعظم الموقف ، وتمنّى الخلائق أن لو انصرفوا من شدّة هذا الهول ، وجلال القيامة ، وزلزلة السّاعة ، وفزع النّاس إلى الأنبياء والرّسل ، وأحالوهم بدورهم على نبيّ الرّحمة ، وشفيع الأمّة ، ومغيث الخلائق ، تجلّت الرّأفة ، وتدفقت الشّفقة ، وتحركت العواطف للأخذ بيد المتوسلين ، وإنقاذ المستشفعين ، والاستجابة للمستغيثين ، ولا عجب فإنّه كعبة الفضل ، وقبلة الرّجاء ، وغاية الأمم ، ومحطّ الآمال ، فالتوجّه ، والاستغاثة ، والاستشفاع به صلّى اللّه عليه وآله ، وبغيره من الأنبياء ، والأولياء ، والصّالحين ليس له عند المسلمين ، وفي قلوبهم غير ذلك المعنى المشار إليه : قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً الزّمر : 44 ، إنّه لم يعطها لما عبد من دونه ، ولا لمن عبد وكان راضيا ، فالقصر في هذه الآية إضافي ، المراد منه نفي شفاعة الأوثان في عابديها ، ونفي شفاعة جميع المعبودين في عابديهم . فقد روى أحمد ، والتّرمذيّ ، وابن ماجة عن أبي سعيد الخدريّ قدس سرّه قال : « أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر . . . » وروى البزار ، والطّبرانيّ عن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال : « أشفع لأمّتي حتّى ينادي ربّي تبارك تعالى فيقول : قد رضيت يا محمّد ؟ فيقول : إي ربّي رضيت » . انظر ، صحيح الإمام مسلم : 1 / 134 مطبعة محمّد عليّ صبيح وأولاده وطبعة مصر ، والمستدرك على الصّحيحين للإمام الحافظ أبي عبد اللّه الحاكم النّيسابوريّ ، وبذيله التّلخيص للحافظ الذّهبي : 1 / 66 طبعة دار المعرفة ، بيروت لتجد الكثير عن بحث الشّفاعة . وانظر ، السّيرة النّبويّة لابن هشام : 2 / 59 ، دار إحياء التّراث العربيّ بيروت ، تهذيب سنن أبي داود باب الشّفاعة ، ح 4730 . وقد تضمّنت أحاديث الشّفاعة خمسة أنواع من الشّفاعة ، وهي : « 1 » الشّفاعة العامّة الّتي يرغب فيها النّاس إلى الأنبياء ، نبيّا بعد نبي حتّى يريحهم اللّه من مقامهم .