أحمد بن حجر الهيتمي المكي
36
الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود
قلت : يوافقه ما أخرجه أبو نعيم في « الحلية » في ترجمة سفيان بن عيينة : ( أنه سئل عن : « اللّهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم . . . » إلخ ، فقال : أكرم اللّه تعالى أمّة محمد صلى اللّه عليه وسلم فصلّى عليهم ، كما صلّى على الأنبياء ، فقال : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ، وقال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ، والسكن : من السكينة ، فصلى عليهم كما صلى على إبراهيم [ وعلى إسماعيل ] وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وهؤلاء الأنبياء المخصوصون منهم ، وعمّ اللّه تعالى هذه الأمة بالصلاة ، وأدخلهم فيما أدخل فيه نبيّهم صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يدخل في شيء . . إلا دخلت فيه أمّته ، ثم تلا : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ، وقال : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ، وذكر قوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً إلى تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) « 1 » . وحكمة تغاير أسلوبي الآيتين ؛ أعني : هذه وقوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ . . الإشارة إلى مزيد الخصوصية له صلى اللّه عليه وسلم على سائر أمته ؛ فإن إسناد الفعل إلى اثنين ليس كإسناده إلى واحد ، ثم عطف آخر عليه ، لإشعاره في الأول بأنه مسند إليهما أصالة ، والثاني بأنه أصالة للأوّل وتبعا للثاني ؛ فصلاة الملائكة على المؤمنين تابعة لصلاة اللّه تعالى عليهم ، لا توجد بدونها ؛ ضرورة التبعية ، وصلاتهم عليه صلى اللّه عليه وسلم بطريق الأصالة ، فتوجد مطلقا ؛ فالآيتان وإن استوتا في صلاة اللّه تعالى . . فهما متفاوتتان في صلاة الملائكة ، وكفى بهذا تمييزا وإشادة بعليّ مرتبته ، وإشارة لباهر رفعته صلى اللّه عليه وسلم وشرّف وكرّم ، على أنه يأتي أن معنى الصلاة في الآيتين مختلف ؛ فحينئذ لا جامع بين الصلاتين إلّا الاسم فقط .
--> ( 1 ) حلية الأولياء ( 7 / 303 ) .