أحمد بن حجر الهيتمي المكي
114
الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود
استفتح باب الملكوت بالتحيات . . أذن له بالدخول في حرم الحي الذي لا يموت ، فقرّت عينه بالمناجاة ، فنبّه على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته ، فالتفت فإذا الحبيب حاضر ثمّ ، فأقبل عليه قائلا ( السلام عليك . . . ) إلخ . ولا يعارض وجوب الخطاب الخبر الدالّ على اختصاص ذلك بحياته صلى اللّه عليه وسلم ، وهو ما صح عن ابن مسعود : ( أنهم كانوا في حياته صلى اللّه عليه وسلم يقولون في التشهد : السلام عليك أيها النبي ، فلما قبض . . قالوا السلام على النبي ) « 1 » لما بينته في « شرح العباب » « 2 » . وأيضا : فلفظه ليس صريحا في أن هذا إجماع ، وإنما هو حكاية عن جمع ، وليس حجة على غيرهم ، على أنه يلزمهم أحد أمرين : إما أنهم في بعدهم عنه في حياته بنحو سفر كانوا لا يخاطبونه ، فينافي عموم قوله : ( كانوا
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 6265 ) ، والبيهقي ( 2 / 138 ) ، وأبو عوانة ( 2022 ) ، وغيرهم . ( 2 ) في هامش ( ج ) : ( قال شيخنا في « شرحه على العباب » : وخوطب صلى اللّه عليه وسلم كأنه إشارة إلى أنه تعالى يكشف له عن المصلين من أمته حتى يكون كالحاضر معهم بأفضل أعمالهم ، وليكون بذلك حضوره سببا لمزيد الخشوع والحضور ، ثم رأيت الغزالي قال في « الإحياء » : « وقبل قولك : السلام عليك أيها النبي . . أحضر شخصه الكريم في قلبك ، وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك بما هو أوفى » ا ه ولا ينافي ما تقرر قول ابن مسعود : « كنا نقول في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : السلام عليك أيها النبي ، فلما قبض صلى اللّه عليه وسلم . . قلنا : السلام على النبي » وذلك ؛ لأن هذا اللفظ رواية أبي عوانة ، ورواية البخاري الأصح منها بينت أن ذلك ليس في قول ابن مسعود ، بل من فهم الراوي عنه ، ولفظها : « فلما قبض . . قلنا : سلام » يعني : على النبي ، فقوله : « قلنا : سلام » يحتمل أنه أراد به استمررنا على ما كنا عليه في حياته ، ويحتمل أنه أراد أعرضنا عن الخطاب ، وإذا احتمل اللفظ . . لم يبق فيه دلالة ، وحيث لم يبق فيه دلالة . . لم يصح لمعارضة وجوب الخطاب ؛ إذ وجوب الخطاب عرف واستمر ، إذ لم يعارضه ما يستدل به على الإعراض . . الخطاب في لفظ ابن مسعود على رواية البخاري ، ولا ينظر إلى لفظ أبي عوانة ؛ إذ رواية البخاري أصح ، وقد بينت أن لفظ ابن مسعود ليس فيه على النبي ، وإنما هو : « قلنا : سلام » ففهم الراوي أن المراد : سلام على النبي ، فقال : على النبي ) .