أحمد بن حجر الهيتمي المكي

115

الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود

في حياته يقولون : السلام عليك ) ، وإما أنهم يخاطبونه ، فهو في مماته كهو حال بعدهم عنه في حياته ؛ إذ هو حي في قبره يصلي كما يأتي « 1 » . ووصف أولا بالنبوة هنا ، ثم بالرسالة آخر التشهد ؛ لأنهما كذلك وجدتا في الخارج لتقدم نبوته على رسالته بنحو ثلاث سنين ، كما بينته في أول « شرح الشمائل » « 2 » . وقدم السلام على الصلاة هنا عكس الآية ؛ لأن الغرض المقصود منها التعليم والإتيان بالمأمور به ، وذلك يبدأ فيه بالأهم الأحق بالمعرفة والفعل ، وهو الصلاة ؛ لأنها لعلوّ مقامها اختصت باللّه تعالى وملائكته ، ولأنها تستلزم السلام بمعنى التحية بخلاف السلام ؛ فإن من معانيه ما لا يتأتى في حق اللّه تعالى وملائكته ، وهو الانقياد والإذعان كما مرّ ، وأيضا : فهو لا يستلزم الصلاة ، فكان دونها في الرتبة . ومبنى الصلاة ذات الأركان على أنه يترقى فيها من الأدنى إلى الأعلى في كل مقام من مقاماتها ، وتشهّدها الأخير هو غايتها ، فبدئ فيه بالثناء على اللّه تعالى بأكمل الأوصاف وأجمعها ، وهو إثبات التحيات وما بعدها للّه تعالى على الوجه الأكمل الأبلغ ، وهذا هو الغاية المطلوبة من الصلاة بالنسبة إلى تعظيم اللّه سبحانه وتعالى والخضوع [ له ] .

--> ( 1 ) قول المصنف رحمه اللّه تعالى : ( كهو حال بعدهم ) . . كثيرا ما يستعمله الفقهاء ، وهو قليل ، فإن الكاف لا تجرّ إلا الظاهر فقط ، وجرها ضمير الغائب المرفوع والمنصوب . . شاذ من جهتين : كون مدخولها ضميرا ، وكون ذلك الضمير ضمير رفع أو نصب . انظر « حاشية الصبان على الأشموني » ( 2 / 209 ) . ( 2 ) قال المؤلف رحمه اللّه تعالى في كتابه « أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل » ( ص 46 ) بعد أن ساق قصة نزول الوحي عليه صلى اللّه عليه وسلم في غار حراء ، وفتور الوحي بعد ذلك ثلاث سنين ، ثم نزول ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) : ( وبان بما تقرر أن نبوته كانت متقدمة على رسالته ، وبه صرح أبو عمر وغيره ، وعليه يحمل قول صاحب « الأصول » : « الصحيح عند أهل العلم بالأثر أنه بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة » ا ه فكان في ( اقرأ ) نبوته ، وفي ( المدثر ) رسالته بالنذارة والبشارة والتشريع ؛ لأن هذا قطعا متأخر عن الأول ) .