ابن عبد البر
89
الدرر في اختصار المغازي والسير
ثم مرّوا ( 1 ) على خيمة أمّ معبد ، فكان من حديثها ما هو منقول مشهور عن الثقات ( * ) ، ونهضوا قاصدين على غير الطريق المعهودة . وقد وصف بعض أهل السير مراحله يوما فيوما ، ولم أر لذكرها وجها .
--> - واستدعى العامل من العراق . قال : فصادفت عمر يطوف في أهل الصدقة فطفت معه إلى أن ارتفع النهار ، ثم عاد إلى منزله فدعا بماء ، فاغتسل واغتسلت ثم قدمت له صحفة فيها طعام غليظ ، فأكل ، وجعلت آكل ، فلا أسيغ ذلك الطعام ، وقد كنت اعتدت درمك العراق إذا وضعته في في سبقني إلى بطني . ثم فرع ودعا بالسفط ، وقال : أتعرف ختمك ؟ فقلت : هو هذا . فحكى لي القصة . ثم دعا سراقة بن مالك بن جعثم وكان طوالا جدا ، فالبسه حلة كسرى وتوجه بتاجه وسوره بسواره ثم قال : الحمد لله الذي البس تاج عدو الله لسراقة . . قال السهيلي [ الروض الأنف 2 / 6 ] : وكان سراقة اعرابيا جلفا بوالا على عقبيه . ثم قسم عمر ذلك بين المسلمين . وكان مما قوم بمال عظيم لما فيه من الجواهر . وما ندري هل كان عمر سمع بوعد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أم وافق ذلك خاطره ، وكان محدثا ( ملهما ) رضى اللّه عنه موفقا رحمه اللّه . ( 1 ) واضح أن ابن عبد البر يقدم لقاء الرسول لسراقة على قصة أم معبد ، وأكثر أهل السير يؤخرون هذا اللقاء إلى ما بعد قصتها وربما قدمه ابن عبد البر لأنه ورد في الحديث الصحيح الوثيق بخلاف قصة أم معبد فلم ترو عند البخاري ولا عند مسلم . وأم معبد هي عاتكة بنت خالد إحدى بنى كعب من خزاعة كان منزلها بقديد حيث أخذ الرسول كما أسلفنا طريق الساحل . وانظر قصتها في كتب السيرة والاستيعاب ص 796 وقد نقلها المعلق عنه . * قلت : ونحن نذكر حديث أم معبد ، فلا غنى عن ذكره في هذا الموطن : مر النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ودليلهما على خيمتى أم معبد في طريق هجرته . وكانت أم معبد برزة ( تظهر للناس وتلقاهم ) جلوة تحتبى ( تجلس مؤتزرة بثيابها ) بفناء القبة وتسقى وتطعم ، فسألوها لحما وتمرا يشرونه منها ، فلم يصيبوا عندها شيئا وكان القوم مرملين مسنتين فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة ، فقال : ما هذه الشاة يا أم معبد ؟ قالت : شاة خلفها الجهد عن الغنم . فقال : هل بها من لبن ؟ قالت هي أجهد من ذلك قال : أتأذنين لي أن أحلبها ؟ قالت : بأبى أنت وأمي أن رأيت بها حلبا [ لبنا يحلب ] فأحلبها . فدعا بها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فمسح بيده ضرعها ، وسمى اللّه عز وجل ، ودعا لها في شاتها ، فتفاجت عليه ودرت واجترت ودعا باناء يربض الرهط حتى علاه البهاء ، ثم سقاها حتى رويت ، وسقا أصحابه حتى رووا ، وشرب آخرهم صلى الله عليه وسلم ثم أراضوا . ثم حلب فيه ثانيا بعد بدء ، حتى ملأ الإناء . ثم غادره عندها ، ثم بايعها [ على الاسلام ] ثم ارتحلوا عنها . فقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا ( هزيلة ) تشاركن هزلا مخهن قليل . فلما رأى أبو معبد اللبن عجب ، وقال : من أين لك هذا والشاء عازب حيال ( لا تدر ) ولا حلوب [ شاة مدرة في البيت ؟ قالت : لا والله الا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا . فقال : صفيه لي يا أمّ معبد . فقالت : رأيت رجلا -