ابن عبد البر

88

الدرر في اختصار المغازي والسير

فلما مضت لبقائهما في الغار ثلاثة أيام أتاهما عبد اللّه بن أريقط براحلتيهما وأتتهما أسماء بسفرتهما ( 1 ) ، وكانت قد شقّت نطاقها فربطت بنصفه السفرة ، وانتطقت النصف الآخر ، ومن هنا سميت ذات النّطاقين ( * ) . فركبا الراحلتين ، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة ، وحمل أبو بكر مع نفسه جميع ماله ، وذلك نحو ستة آلاف درهم ( * ) . فمروا في مسيرهم بناحية موضع سراقة بن مالك بن جعثم ، فركب فرسه ، واتبعهم ، ليردّهم بزعمه . فلما رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعا عليه ، فساخت يدا فرسه في الأرض ، ثم استقلّ ، فأتبع يديه دخان . فعلم أنها آية ، فناداهم : قفوا علىّ وأنتم آمنون . فوقف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى لحق بهم . ثم همّ به فساخت يدا فرسه في الأرض ، فقال له : ادع اللّه لي فلن ترى منى ما تكره . فدعا له ، فاستقلت فرسه . ورغب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يكتب له كتابا ( 2 ) ، فأمر أبا بكر ، فكتب ( 3 ) له ( * ) .

--> ( 1 ) السفرة : الزاد . * قلت : النطاق في اللغة كالازار : ثوب تلبسه المرأة ، ثم تشد وسطها ، ثم ترسل الأعلى على الأسفل . قال الهروي : وبه سميت أسماء ذات النطاقين لأنها كانت تطارق بين نطاقين مبالغة . وقيل : بل كانت تلبس أحدهما وتحمل الزاد لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الآخر إلى الغار . والتفسير الذي ذكر في السيرة ( النبوية ) قريب من هذا . * راحلة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم التي اشتراها من أبى بكر هي الجدعاء وهي غير العضباء . وجاء في حديث انه عليه السلام ذكر أن ناقة صالح تحشر معه - أي فيركبها والله أعلم - فقال رجل : يا رسول اللّه وأنت على العضباء ، فقال : لا فاطمة على العضباء وأنا على البراق ، وهذا - وأشار إلى بلال - على ناقة من نوق الجنة [ انظر الروض الأنف 2 / 3 ] . واعلم أن العضباء اسم علم ولم تكن معضوبة الأذن . ( 2 ) كتابا : أي كتاب أمن ، وكأنه وقع في نفس سراقة أن سيظهر أمر الرسول ، وكان لقاؤه له - كما قال أصحاب السير - بقديد ، إذ اتخذ الرسول إلى المدينة طريق الساحل . ( 3 ) في بعض الروايات أن الذي كتب له هذا الكتاب عامر بن فهيرة . * أصل الجعثم [ يشير إلى اسم جد سراقة ] لغة المنتفخ . ويقال إنه عليه السلام وعد سراقة حينئذ أن يلبسه اللّه تاج كسرى وسواريه . فعجب من ذلك . فانجز الله وعده على يد عمر رضى اللّه عنه ، وذلك ان عامله على المدائن وجد فيها صنما في بعض بيوت كسرى عاقدا صورة واحد وأربعين مشيرا بإصبعه إلى الأرض ، فقال : ما هذه الإشارة الا لشئ ، فاحتفر تحته ، فإذا سفط فيه تاج كسرى وسواراه ونحو ذلك . فبعث به إلى عمر مختوما ، وقال : هذا مما لم يؤخذ غلبة بخيل ولا ركاب ، وقد بعثته لأمير المؤمنين يختص به . فرأى عمر تلك الليلة كان نارا أججت ، وكأنه يراد عليها ويستعيذ بالله ، فأمر بالسفط ، فوضع بختمه في بيت المال -