ابن عبد البر

87

الدرر في اختصار المغازي والسير

أبى بكر تأتيهما بالطعام ، ويأتيهما عبد اللّه بن أبي بكر بالأخبار ، ثم يتلوهما عامر بن فهيرة بالغنم فيعفّى آثارهما . فلما فقدته ( 1 ) قريش جعلت تطلبه بقائف ( 2 ) معروف ، فقفا ( 3 ) الأثر حتى وقف على الغار ، فقال : هنا انقطع الأثر . فنظروا فإذا بالعنكبوت قد نسج على فم الغار من ساعته ، فلما رأوا نسج العنكبوت أيقنوا أن لا أحد فيه ، فرجعوا . وجعلوا في النبيّ صلى اللّه عليه وسلم مائة ناقة لمن ردّه عليهم . وقد روى من حديث أبي الدّرداء وثوبان : أن اللّه عزّ وجلّ أمر حمامة فباضت على نسج العنكبوت ، وجعلت ترقد على بيضها ، فلما نظر الكفّار إليها على فم الغار ردّهم ذلك عن الغار ( * ) . حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا الحارث ابن أبي أسامة . وحدثنا سعيد بن نصر ، قال : أنبأنا قاسم بن أصبغ ، قال : أنبأنا محمد بن إسماعيل الترمذي ، قالا : أنبأنا عفان ، قال : أنبأنا همام ، قال : أخبرنا ثابت عن أنس أن أبا بكر حدّثه ، قال : قلت للنبي عليه السلام ونحن في الغار : لو كان أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه ، فقال : يا أبا بكر : ما ظنّك باثنين ، اللّه ثالثهما ( * )

--> ( 1 ) فقدته : أي الرسول صلى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) القائف : متتبع الأثر . ( 3 ) قفا : تبع . * قلت : وجاء في الأثر أن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين اللتين وكرتا على فم الغار ، فلذلك احترم حمام الحرم ، وهو من جنس قوله تعالى : ( وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً ) قيل جدهما السابع ، فحفظ اللّه الأعقاب ، رعاية للأسلاف ، وان طالت الأحقاب . * وتمادت الرافضة على الصفاقة والمكابرة ، فقالوا ، ما نهى أبو بكر عن الحزن الا وهو معصية [ يشيرون بذلك إلى ما جاء في الذكر الحكيم من قول الرسول له : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ] ونقض عليهم السهيلي [ في 2 / 5 ] قولهم بقول اللّه تعالى لأنبيائه [ في السهيلي لمحمد ] : فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [ وقال لموسى ] خُذْها وَلا تَخَفْ [ وقال الملائكة للوط ] لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ . والتحقيق ان النهى انما يتناول المستقبل ، وفي المستقبل ما دفع الحزن ، بل الواقع في الاستقبال الطمأنينة والسكينة والفرح [ و ] ورد عن عائشة انها قالت [ عن أبيها في يوم الهجرة حين علم من الرسول انه مهاجر معه ] ما علمت أن أحدا يبكى من شدة الفرح حتى رأيت أبا بكر ( حينئذ ) يبكى من شدة الفرح . ثم كان من آثار المعية الإلهية لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم وأبى بكر انه يقال إلى الأبد : قال رسول الله ، وقال خليفة رسول اللّه . فالله يذكر معهما وليس ذلك لأحد غيرهما .