ابن عبد البر

86

الدرر في اختصار المغازي والسير

وتواعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع أبي بكر الصّدّيق للهجرة ، فدفعا راحلتيهما إلى عبد اللّه ابن أرقط ، ويقال ابن أريقط ، الدّيلىّ ، وكان كافرا لكنهما وثقا به ، وكان دليلا بالطرق ، جاء في الصحيح ( 1 ) أنه كان هاديا خرّيتا ، فاستأجراه ليدلّ بهما إلى المدينة ( * ) . خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للهجرة ( 2 ) وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من خوخة ( 3 ) في ظهر دار أبى بكر التي في بنى جمح ، ونهضا نحو الغار في جبل ( 4 ) ثور ( * ) وأمر أبو بكر ابنه عبد اللّه أن يتسمّع ما يقول الناس ، وأمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه ويريحها عليهما ليلا ، ليأخذا منها حاجتهما . ثم نهضا فدخلا الغار ، وكانت أسماء بنت

--> ( 1 ) في الصحيح : أي في الحديث الصحيح . * قلت : يؤخذ من ذلك جواز الاعتماد على الكافر في الأمور الخطيرة إذا غلب على الظن انه لا يخون ، كالاعتماد على الكافر في الكحل وعلى النصارى في الطب والكتابة والحساب ونحو ذلك ما لم تكن ولاية فيها عز ، فلا يجوز الاعتماد عليهم فيها . ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء ، فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطرق ، ولا سيما في مثل الهجرة ، ومع ذلك فقد اعتمد فيها على هذا الديلي وهو كافر وحمدت العاقبة في ذلك والحمد لله . والخريت : الحاذق الذي يعرف مضايق الطرق ولو مثل خرت ( ثقب ) الإبرة . وجاء في بعض الطرق : فأخذ بهم يد بحر أي طريق الساحل . وجاء أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال لأبى بكر : لا أركب الراحلة الا بالثمن ، فقال أبو بكر : بالثمن يا رسول اللّه . وقال بعض أهل العلم : قد ورد أن أبا بكر انفق على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ماله كله ، وقال عليه السلام : أن آمنكم على في ماله أبو بكر . فما وجه كونه امتنع ان يركب الراحلة الا بالثمن وأجيب انه عليه السلام أراد أن تكون هجرته للّه بنفسه وبماله ، لا يستعين في ذلك بالخلق . استحسنه السهيلي [ انظر الروض الأنف 2 / 3 ] . ويقويه عندي انه عليه السلام قال في المريد الذي اتخذه مسجدا : لا آخذه الا بالثمن . ولم يقل ذلك في منزل أبى أيوب . ويحتمل عندي أن يكون انفاق أبى بكر على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من ماله انما أريد به الانفاق في سبيل اللّه لأجل رسول اللّه ومواساة أصحابه عليهم السلام لمكانهم منه عليه السلام ، ولا يريد الانفاق عليه في ذاته ولا في قوام حياته ، فلهذا أعطاه ثمن الراحلة . ( 2 ) انظر في هجرة الرسول إلى المدينة ابن هشام 2 / 123 وابن سعد ج 1 ق 1 ص 153 وصحيح البخاري 5 / 56 والطبري 2 / 375 وما بعدها وأنساب الأشراف 1 / 120 وابن سيد الناس 1 / 181 وابن حزم ص 90 وابن كثير 3 / 174 والنويري 16 / 330 ( 3 ) الخوخة : مخترق ما بين كل دارين . ( 4 ) جبل ثور بأسفل مكة . ( * ) وروى أنه عليه السلام رقى على ثبير ( في الأصل : منبر ) ، فقال له : يا محمد انزل من على ظهري لئلا تقتل على ، فأعذب ، فناداه حراء : يا رسول اللّه إلى إلى . وقيل إن ثورا ناداه أيضا . فكان غار التعبد في حراء وغار التستر في ثور ، وكان لهما فضيلة الايواء واحتمال الخطر في ذات اللّه بخلاف ثبير فإنه خاف على نفسه . فهذان الجبلان فازا بالكرامة وثبير طلب السلامة