ابن عبد البر

85

الدرر في اختصار المغازي والسير

ونزل عثمان بن عفّان على أوس بن ثابت أخي حسّان بن ثابت في بنى النّجّار . ونزل العزّاب على سعد بن خيثمة وكان عزبا . ولم يبق بمكة أحد من المسلمين إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر وعلى « 1 » ، أقاما مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأمره . وحبس قوم كرها ، حبسهم قومهم ، فكتب اللّه لهم أجر المجاهدين بما كانوا عليه / من حرصهم على الهجرة . فلما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة ، وقد دخل أهلها في الإسلام قالوا هذا شر شاغل لا يطاق ، فأجمعوا أمرهم على قتل « 2 » رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فبيّتوه ، ورصدوه على باب منزلهم طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج . فأمر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه ، ودعا اللّه عزّ وجلّ أن يعمّى عليهم أثره ، فطمس اللّه على أبصارهم ، فخرج وقد غشيهم النوم ، فوضع على رؤوسهم ترابا ونهض « 3 » . فلما أصبحوا خرج عليهم على وأخبرهم أن ليس في الدار ديّار ، فعلموا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد فات ونجا « 4 » .

--> ( 1 ) وأيضا الا من حبس كرها كما سيذكر ابن عبد البر والا من فتن عن دينه الحنيف . ( 2 ) في ابن هشام وغيره من كتب السير أن قريشا لما رأت الرسالة النبوية تشيع في العرب ورأوا خروج أصحابه إلى المدينة خشوا عاقبة ذلك وخاصة أن المدينة كانت في طريق قوافلهم التجارية إلى الشام ، فتداعوا للاجتماع بدار الندوة كي يتشاوروا فيما يصنعون بالرسول ويقال إن أبا البختري بن هشام أشار بحبسه وأشار أبو الأسود ربيعة بن عمير باخراجه ونفيه . ورفض المجتمعون الرأيين ، واتفقوا على قتله وأن تقوم بذلك مجموعة من قريش تتألف من كل عشيرة فيها ، بحيث تنتدب عنها شابا فتيا ، ويعمدون إليه فيضربونه بسيوفهم - شلت أيديهم - ضربة رجل واحد ، وبذلك يتوزع دمه في جميع العشائر ، فلا يقدر بنو عبد مناف على حربهم . ( 3 ) في بعض الروايات أن الرسول كان يحثو على رؤوسهم التراب وهو يتلو الآيات الأولى من سورة يس حتى قوله تعالى : ( فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ) ( 4 ) أشار القرآن الكريم إلى ما كانت تبيته قريش من قتل الرسول في قوله تعالى : ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) وقوله جل شأنه : ( أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ) .