ابن عبد البر

80

الدرر في اختصار المغازي والسير

باب ذكر الهجرة ( 1 ) إلى المدينة يقال إن المدينة مذكورة في التوراة طابة ( 2 ) . قال : أوحى اللّه إلى طابة : يا طابة يا مسكينة لا تقبلى الكنوز فإني أرفع أجاجيرك ( 3 ) على أجاجير القرى . وهي المدخل الصدق في كتاب اللّه تعالى ، قال اللّه سبحانه : ( وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) . المخرج الصدق : مكة ، والمدخل الصدق : المدينة ، والسلطان النصير : الأنصار . وفيه دليل واضح على تفضيل المدينة ، لأن اللّه ابتدأ بها ، وكان القياس أن يبتدئ بمكة ، لأنه خرج منها قبل أن يدخل المدينة ، وأيضا فبالمدينة جعل له سلطانا نصيرا ، وأيضا فيأبى اللّه إلا أن ينقل نبيه إلا إلى ما هو خير ( * ) .

--> ( 1 ) انظر في الهجرة إلى المدينة ابن هشام 2 / 112 وابن سعد ج 1 ق 1 ص 152 وما بعدها وصحيح البخاري 5 / 56 والطبري 2 / 369 وابن حزم ص 85 وابن سيد الناس 1 / 173 وابن كثير 3 / 168 والنويري 16 / 321 والسيرة الحلبية 2 / 54 ( 2 ) طابة : من أسماء المدينة ، وقد ذكر بعض الرواة لها أكثر من ثلاثين اسما ، أشهرها يثرب ( 3 ) أجاجير : جمع أجار بهمزة مكسورة وجيم مشددة ، وهو السطح . * قلت : واختلف العلماء في حكم الهجرة حينئذ وكيف كان ؟ فقيل : كانت الهجرة شرطا في الاسلام ، فمن لم يهاجر ولا عذر له ومات على ذلك مات كافرا . وقيل : بل كانت واجبة مؤكدة من قواعد الدين . ثم اختلفوا في حكمها على من وجبت عليه أولا هل استمر بعد الفتح أم لا ؟ ولا خفاء في أن غير المهاجرين الأولين لم يخاطبوا بالهجرة بعد الفتح ، وفيهم جاء الحديث : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد . وظاهر قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا أن الهجرة كانت شرطا في الاسلام ، وهو ظاهر قوله عليه السلام : ولكن البائس سعد بن خولة [ من المهاجرين وقد شهد مع الرسول سائر المشاهد وتوفى بمكة في حجة الوداع وقد وصفه الرسول بالبائس لأنه مات في الأرض التي هاجر منها ] يرثى له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن مات بمكة . وقد استرسل المعلق هنا يقول : واطلاق البؤس عليه بعد الموت يدل على أن الخاتمة لم تكن على الاسلام لأن المسلم لا بؤس عليه ان شاء اللّه ولا سيما بؤس يسبق له فيه اسم واللّه أعلم . وهو غلط واضح في الاستنتاج ، لان سعدا كان من المسلمين الأولين وممن هاجروا إلى الحبشة وشهد بدرا وغيرها من المشاهد . وانما تعلق به البؤس لأنه لم يمت في دار هجرته ، ويدل على ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم . وانظر الاستيعاب ص 566