ابن عبد البر

68

الدرر في اختصار المغازي والسير

فناداني ملك الجبال ] فسلّم علىّ وقال : يا محمد ( 1 ) : أنا ملك الجبال وقد بعثني ربى إليك لتأمرني بما شئت ، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين . فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه [ وحده ] ( 2 ) ولا يشرك به شيئا ( * ) [ إسلام الطّفيل ( 3 ) بن عمرو الدّوسىّ ] قال الفقيه الحافظ أبو عمر رضى اللّه عنه : وبعد رجوع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من دعاء ثقيف قدم عليه الطفيل بن عمرو الدّوسى ، فدعاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الإسلام ، وأمره بدعاء قومه ، فقال : يا رسول اللّه : اجعل لي آية تكون لي عونا . فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فجعل اللّه في وجهه نورا ، فقال : يا رسول اللّه إني أخاف أن يجعلوها مثلة ، فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فصار النور في سوطه ، فهو معروف بذى النور ( * ) .

--> ( 1 ) في مسلم : وقال يا محمد ان اللّه قد سمع قول قومك وأنا ملك الجبال . ( 2 ) زيادة من مسلم . * قلت الاخشبان هاهنا جبلا مكة ، والعرب تسمى الجبل المتوعر باسم أخشب . وبهذا الصبر على الأذى والكف عن الدعاء فضل محمد صلى اللّه عليه وسلم على نوح [ صلى اللّه ] عليه وسلم فإنه دعا على قومه ومحمد دعا لقومه فناسب اشفاقه عليهم في الدنيا أن يشفع لهم في الآخرة ويقول نوح يومئذ : نفسي نفسي ، انى دعوت دعوة على قومي . ( 3 ) انظر اسلام الطفيل وآيته في ابن هشام 2 / 21 وابن سعد ج 4 ق 1 ص 175 وصحيح البخاري 5 / 174 وابن حزم ص 67 وابن كثير 3 / 135 وابن سيد الناس 1 / 139 وقد لخص كلام ابن سعد . وكان الطفيل شريفا في قومه شاعرا نبيلا كثير الضيافة ، فقدم مكة ، فحاولت قريش منعه من لقاء الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولكنه لم يستمع إليها ، ولقى الرسول فعرض عليه الاسلام وتلا عليه القرآن ، فقال : لا والله ما سمعت قولا قط أحسن من هذا ولا أمرا أعدل منه ، وأسلم ودخل في دين الله . وعاد إلى قومه ومعه الآية التي صورها ابن عبد البر ، فدعاهم إلى الاسلام ، فتبعه بعضهم . وما زال بينهم حتى هاجر بعد غزوة الخندق في أثناء فتح الرسول صلى اللّه عليه وسلم لخيبر ، فقدم عليه بها فيما بين السبعين والثمانين بيتا من قومه . وقد أبلى في حروب الردة بلاء حسنا ، وقتل باليمامة شهيدا . * قلت : هذا مما زاد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من الفضائل على موسى ، لأن احدى آيات موسى اليد البيضاء ، وكان نورها يغشى البصر ، وقد أكرم الله نبيه بأن جعل مثل ذلك لرجل من أمته . وانما سأل الطفيل أن ينقل ذلك النور إلى سوطه ، لأن العرب كانوا جدلين خصمين ، لهم من البيان والصنعة في التخييل ما يقتضى ان يقلبوا الحق باطلا والحسن قبيحا ما وجدوا إلى ذلك سبيلا ، ولهذا قال : انى أخاف أن يجعلوها مثلة ، فكان النور إلى سوطه آية أخرى ، واللّه الموفق . ووصل إلى قومه بتلك الآية ، فأسلم أكثرهم . وأقام الطفيل في بلاده إلى عام الخندق ثم قدم في سبعين أو ثمانين رجلا من قومه مسلمين . وقد ذكر ابن عبد البر خبره بتمامه في بابه من كتاب الصحابة .