ابن عبد البر

286

الدرر في اختصار المغازي والسير

أن به ذات الجنب فلدّوه « 1 » ، وكان / العباس الذي أشار بذلك ، فلما أفاق أنكر ذلك عليهم ، وأمر بالقصاص في ذلك منهم - واستثنى العباس برأيه - فلدّ كل من حضر في البيت إلا العباس « 2 » . وأوصاهم في مرضه بثلاث : أن يجيزوا الوفد بنحو مما كان يجيزهم به « 3 » وأن لا يتركوا في جزيرة العرب دينين ، [ قال ] : أخرجوا منها المشركين ، واللّه اللّه [ في ] الصلاة ، وما ملكت أيمانكم فأحسنوا إليهم . وقال : لعن اللّه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . وقال لهم : هلمّوا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا . فاختلفوا وتنازعوا واختصموا ، فقال : قوموا عنى ، فإنه لا ينبغي عندي تنازع . وكان عمر القائل حينئذ : قد غلب عليه وجعه ، وربما صحّ « 4 » ، وعندكم القرآن . فكان ابن عباس يقول : إن الرزيّة كل الرزية ما حال بين رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وبين أن يكتب ذلك الكتاب ، لاختلافهم ولغطهم « 5 » . وسارّ فاطمة - رضى اللّه عنها - في مرضه ذلك ، فقال لها : إن جبريل كان يعرض علىّ القرآن كل عام مرة وإنه عرضه علىّ العام مرتين ، وما أظن إلا أنى ميت / من مرضى هذا ، فبكت ، فقال لها : ما يسرّك أنك سيدة نساء أهل الجنة ما عدا مريم بنت عمران ، فضحكت . وكان يقول في صحته : ما يموت نبي حتى يخيّر ويرى مقعده « 6 » . روته عائشة . قالت : فلما اشتد مرضه جعل يقول : مع الرّفيق الأعلى ، مع النبيين والصّدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

--> ( 1 ) لدوه : من اللد وهو وضع الدواء في شقى الفم . وفي ابن سعد ق 2 ج 2 ص 31 أنهم لدوه بالعود الهندي وبشيء من ورس وقطرات زيت . ( 2 ) ذكر السهيلي في الروض الأنف 2 / 369 ان ظاهر كلام ابن إسحاق أن العباس كان حاضر الرسول ، ولده مع ولده . يقول : وفي الصحيحين أن رسول اللّه قال : لا يبقين أحد بالبيت الا لد ، الا عمى العباس فإنه لم يشهدكم . يقول السهيلي : وهذه أصح من رواية ابن إسحاق ( 3 ) ان يجيزوا : أن يعطوا من الجائزة ، وهي العطية . ( 4 ) صح : زال عنه المرض . ( 5 ) قال ابن حزم في جوامع السيرة ص 264 : لا شك في أنه لو كان هذا الكتاب من واجبات الدين ولوازم الشريعة لم يثنه عنه كلام عمر ولا غيره . واستظهر ابن حزم أن يكون الكتاب الذي أراد الرسول كتابته هو استخلافه لأبي بكر لقوله لعائشة : لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك فأكتب كتابا وأعهد عهدا لئلا يتمنى متمن أو يقول قائل ، ويأبى الله والمؤمنون الا أبا بكر . ( 6 ) أي يخير بين الحياة والموت ويرى مقعده من الجنة .