ابن عبد البر
287
الدرر في اختصار المغازي والسير
وقال حين عجز عن الخروج إلى المسجد : مروا أبا بكر فليصلّ بالناس . وخرج يوما من أيام مرضه إلى المسجد تخطّ رجلاه في الأرض ، يحمله رجلان أحدهما علىّ والآخر العباس ، وقيل الفضل بن عباس . وقال في مرضه : هريقوا « 1 » علىّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن « 2 » لعلّى أعهد إلى الناس ، فأجلس في مخضب « 3 » لحفصة ، ثم صبّ عليه من تلك القرب ، حتى طفق يشير بيده أن حسبكم . ثم خرج إلى الناس فصلّى بهم . وقد أوضحنا معاني صلاته في مرضه بالناس مع أبي بكر « 4 » ومكان المقدّم منهما وما يصحّ في ذلك عندنا في كتاب التمهيد ، وباللّه توفيقنا . وأصبح الناس يوما يسألون عليا والعباس عن / حال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد اشتدت به الحال ، فقال على : أصبح بخير ، فقال العباس : ما الذي تقول ؟ واللّه لقد رأيت في وجهه من الموت ما لم أزل أعرفه في وجوه بنى عبد المطلب ، ثم قال له : يا علىّ اذهب بنا نسأله فيمن يكون هذا الأمر بعده . فكره علىّ ذلك ، فلم يسألاه . واشتد به المرض ، فجعل يقول : لا إله إلا اللّه ، إن للموت لسكرات . الرفيق الأعلى ، فلم يزل يقولها حتى مات . ومات صلى اللّه عليه وسلم يوم الاثنين بلا اختلاف ، قيل : في وقت دخوله المدينة في هجرته حين اشتدّ الضّحى في صدر « 5 » ربيع الأول سنة إحدى عشرة لتمام عشر سنين من الهجرة . ودفن يوم الثلاثاء ، وقيل : بل دفن ليلة الأربعاء . ولم يحضر غسله ولا تكفينه إلا أهل بيته ، غسله على ، وكان الفضل بن عباس يصبّ عليه الماء ، والعباس يعينهم . وحضرهم شقران مولاه . وقد ذكرنا في صدر كتاب الصحابة سؤاله في هذا المعنى . ولم يصدّق عمر بموته ، وأنكر على من قال : مات ، وخرج إلى المسجد ، فخطب ، وقال في خطبته : إن المنافقين يقولون إن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - توفّى ، واللّه ما مات رسول
--> ( 1 ) هريقوا : أريقوا وصبوا . ( 2 ) الاوكية : جمع وكاء وهو رباط القربة . ( 3 ) المخضب : اناء كبير أو إجانة تغسل فيها الثياب . ( 4 ) معروف أن الرسول عليه السلام صلى وراء أبى بكر في تلك الأيام صلاة تامة ، وانه خرج يوما فصلى بجانبه ، فتحول أبو بكر مأموما يسمع الناس تكبيره . ( 5 ) قيل إنه توفى صلى اللّه عليه وسلم في أول يوم من ربيع الأول وقيل في اليوم الثاني منه ، وقيل بل في الثاني عشر ، وهو الأرجح .