ابن عبد البر
254
الدرر في اختصار المغازي والسير
وفي هذه الغزوة أتى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - البكّاءون وهم سبعة : سالم بن عمير [ من بنى « 1 » عمرو ] بن عوف ، وعلبة بن زيد أخو بنى حارثة ، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب من بنى مازن بن النجار ، وعمرو بن الحمام من بنى سلمة ، وعبد اللّه بن المغفّل المزنىّ وقيل : بل هو عبد اللّه بن عمرو المزنى ، وهرمىّ بن عبد اللّه أخو بنى واقف ، وعرباض بن سارية الفزاري . فاستحملوا « 2 » رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلم يجدوا عنده ما يحملهم عليه ، فتولّوا وأعينهم تفيض من الدّمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون . فسمّوا البكّائين . وذكروا أن ابن يامين بن عمير « 3 » النّضرى حمل أبا ليلى وعبد اللّه بن مغفّل على ناضح « 4 » له يعتقبانه « 5 » ، وزوّدهما تمرا كثيرا . واعتذر المخلّفون من الأعراب ، فعذرهم رسول اللّه عليه السلام . / وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وضرب عسكره على باب المدينة ، واستعمل عليها محمد بن مسلمة ، وقيل : بل سباع بن عرفطة ، وقيل : بل خلّف عليها علي بن أبي طالب - رضى اللّه عنه - وهو الأثبت : أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - خلّف عليا ( في ) غزوة تبوك ، فقال المنافقون : استثقله ، فذكر ذلك علىّ - رضوان اللّه عليه - لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في خبر سعد ، فقال : كذبوا ، إنما خلّفتك لما تركت ورائي ، فارجع ، فاخلفني في أهلي وأهلك ، فأنت منى بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبىّ بعدى . والآثار بذلك متواترة صحاح قد ذكرت كثيرا منها في غير هذا الموضع . وخرج عبد اللّه بن أبىّ بن سلول بعسكره ، فضربه على باب المدينة أيضا ، فكان عسكره - فيما زعموا - ليس بأقل العسكرين ، وهو يظهر الغزاة مع رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم . فلما نهض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تخلّف عبد اللّه بن أبي بن سلول فيمن تخلّف من المنافقين وأهل الرّيب ، وكانوا نيّفا وثمانين رجلا ، خلّفهم سوء نياتهم ونفاقهم .
--> ( 1 ) زيادة من ابن هشام ( 2 ) استحملوه : طلبوا منه ما يحملهم عليه من الإبل ( 3 ) هكذا في الأصل وابن هشام ، وفي بعض المراجع : عمرو ( 4 ) الناضح : البعير يستقى عليه ( 5 ) يعتقبانه : يتبادلانه ويتناوبانه