ابن عبد البر

255

الدرر في اختصار المغازي والسير

وتخلّف في هذه ( الغزاة ) من صالحي المسلمين ثلاثة « 1 » رجال ، وهم : كعب بن مالك الشاعر من بنى سلمة ، ومرارة بن ربيعة - ويقال ابن الربيع - من بنى عمرو بن عوف ، وهلال ابن أمية الواقفي . فافتقدهم رسول اللّه - صلى اللّه / عليه وسلم - بعد يوم أو يومين ، فقيل له : تخلّفوا . فعجب من ذلك ، وعزّ عليه لأنه كان يعرف إيمانهم وفضلهم . ونهض صلى اللّه عليه وسلم ، فخطر « 2 » على حجر ثمود « 3 » ، فأمر أصحابه أن لا يتوضئوا من بئر ثمود ، ولا يعجنوا خبزا بمائها ، ولا يستعملوا شيئا منه ، فقيل له : إن قوما عجنوا منه ، فأمر بالعجين ، فطرح للإبل علفا . وأمرهم أن لا يستعملوا ماء بئر الناقة في كل ما يحتاجون إليه . وأمر أصحابه - عليه السلام - بأن لا يدخلوا بيوت ثمود ، وقال : لا تدخلوا [ بيوت ] « 4 » هؤلاء المعذّبين إلا أن تكونوا باكين [ خشية ] أن يصيبكم مثل ما أصابهم . ونهاهم أن يخرج أحدهم منفردا ، فخرج رجلان من بنى ساعدة ، كل واحد منهما منفرد عن صاحبه ، أحدهما يريد الغائط ، فخنق ، فأخبر النبيّ عليه السلام ، فدعا له ، فشفى . والآخر خرج في طلب بعير له فأخذته الريح ورمته في جبل طيء ، فردّته طيء بعد ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وعطش الناس في تلك الغزاة عطشا شديدا ، فدعا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ربّه ، فأرسل « 5 » عليهم سحابة ارتووا منها ، ورووا « 6 » بها إبلهم ، وأخذوا حاجتهم [ من الماء ] . وأضلّ - صلى اللّه عليه وسلم - ناقته ، وقال من في قلبه نفاق : محمد يدّعى أن خبر « 7 » السماء يأتيه [ و ] لا يدرى أين « 8 » ناقته . فنزل الوحي بما قال هذا القائل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . / فدعا أصحابه ، فأخبرهم بقول القائل ، وأخبرهم أن اللّه - عزّ وجلّ - قد عرّفه بموضع ناقته وأنها في موضع كذا قد تعلّق خطامها بشجرة ، فابتدروا المكان الذي وصف عليه

--> ( 1 ) في ابن هشام ومصادر أخرى أنهم كانوا أربعة بزيادة أبى خيثمة غير أنها تعود فتذكر مسارعته إلى الرسول وانتظامه في سلك الجيش ( 2 ) خطر : مر وسار ( 3 ) حجر ثمود : هي المعروفة الآن باسم مدائن صالح ( 4 ) زيادة من ابن هشام وغيره ( 5 ) في الأصل : فأنزل وقد اخترنا رواية ابن هشام . ( 6 ) في الأصل ، وردوا بهم وإبلهم ( 7 ) في الأصل : على أن ( 8 ) هكذا في ابن هشام وغيره وفي الأصل : حيث