ابن عبد البر

210

الدرر في اختصار المغازي والسير

ابن أبي طالب رضى اللّه عنه ، وأخذ طريق الصهباء « 1 » إلى وادى الرّجيع ، فنزل بين خيبر وغطفان لئلا يمدوهم ، لأنه بلغه أن غطفان تريد إمداد يهود خيبر . ولما خرجوا لإمدادهم اختلفت كلمتهم ، وأسمعهم اللّه عزّ وجلّ حسّا من ورائهم وهدّا راعهم وأفزعهم فانصرفوا إلى ديارهم ، فأقاموا بها . وأقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أشرف على خيبر مع الفجر ، وعمّالهم غادون بمساحيهم ومكاتلهم « 2 » . فلما رأوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والجيش نادوا : محمد والخميس « 3 » معه ، وأدبروا هرّابّا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اللّه أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين . وتحصّنت يهود في حصونهم وكانت حصونا كثيرة ، فكان أول حصن افتتحوه حصنا يسمى « ناعما » وعنده قتل محمود بن مسلمة أخو محمد بن مسلمة ألقيت عليه رحى فشدخته ، رحمه اللّه ، ثم حصنا يدعى « القموص » وهو حصن بنى أبى الحقيق ، ومن سبايا ذلك الحصن كانت صفيّة بنت حيىّ بن أخطب - وكانت تحت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق - / أصابها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبنتي عمّ لها ، فوهب صفيّة لدحية بن خليفة الكلبي ثم ابتاعها [ منه ] « 4 » بسبعة أرؤس ، ثم أردفها خلفه ، وألقى عليها رداءه ، فعلم أصحابه أنه اصطفاها لنفسه ، وجعلها عند أمّ « 5 » سليم حتى اعتدّت وأسلمت ، ثم أعتقها وتزوّجها ، وجعل عتقها صداقها . وهذه مسألة اختلف الفقهاء فيها فمنهم من جعل ذلك خصوصا له كما خصّ بالموهوبة ، ومنهم من جعل ذلك سنة لمن شاء من أمته . ثم فتح حصن الصعب « 6 » بن معاذ ولم يكن في حصون خيبر أكثر طعاما وودكا منه « 7 » . ووقف إلى بعض حصونهم فامتنع عليهم فتحه ولقوا فيه شدّة ، فأعطى رايته أبا بكر الصديق فنهض بها وقاتل واجتهد ولم يفتح عليه ، ثم أعطى الراية عمر فقاتل ثم رجع ولم يفتح له وقد

--> ( 1 ) الصهباء : موضع في الطريق من المدينة إلى خيبر ، وهي على بعد ثمانية برد منها شمالا . ( 2 ) المساحى : الفئوس . المكاتل : الزنا بيل . ( 3 ) قيل : سمى الجيش خميسا لأنه خمسة أقسام : المقدمة والساقة والميسرة والميمنة والقلب . ( 4 ) زيادة من مصادر مختلفة ويدل عليها السياق . ( 5 ) هي أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك . ( 6 ) هكذا في ابن هشام وغيره من المصادر ، وفي الأصل : ابن الصعب . ( 7 ) الودك : دسم اللحم ودهنه .