ابن عبد البر
208
الدرر في اختصار المغازي والسير
أنه سيردّه فخرج حتى أتى سيف « 1 » البحر ، موضعا يقال له العيص « 2 » من ناحية ذي المروة على طريق قريش إلى الشام ، فجعل يقطع على رفاقهم « 3 » . واستضاف إليه قوما من المسلمين الفارّين عن قريش ، منهم أبو جندل بن سهيل ، فجعلوا لا يتركون لقريش عيرا ولا ميرة ولا مارّا إلا قطعوا بهم . فكتبت في ذلك قريش إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقالوا نرى أن تضمّهم إليك إلى المدينة ، فقد آذونا . وأنزل اللّه تعالى بعد ذلك القرآن بفسخ الشرط المذكور في ردّ النساء « 4 » ، فمنع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من ردّ هن ، ثم نزلت سورة « 5 » براءة ، فنسخ ذلك كله ، وردّ على كل ذي عهد عهده وأن يمهلوا أربعة أشهر ، ومن لم يستقم على عهده لا يستقام له . وهاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، فأتى أخواها : عمارة والوليد فيها ، ليردوها ، فمنع اللّه عزّ وجلّ من ردّ النساء المؤمنات إلى الكفار إذا امتحن « 6 » فوجدن مؤمنات . وأخبر أن ذلك لا يحلّ . وأمر المؤمنين أيضا أن لا يمسكوا بعصم الكوافر « 7 » ، ولا ينكحوا المشركات ، يعنى الوثنيّات ، حتى يؤمنّ .
--> ( 1 ) سيف البحر : ساحله . ( 2 ) العيص وذو المروة : من أرض جهينة . ( 3 ) على رفاقهم : أي على المسافرين منهم . ( 4 ) وذلك قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا . ( 5 ) انظر أوائل هذه السورة . ( 6 ) كان الامتحان أن تستحلف المرأة المهاجرة أنها ما هاجرت ناشزا ولا هاجرت الا للّه ورسوله ، فإذا حلفت لم ترد ، ورد صداقها إلى بعلها . انظر الروض الأنف 2 / 230 ( 7 ) وذلك في قوله تعالى بنفس الآية السالفة : ( وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ ) . والعصم : جمع عصمة ، ما هي الحبل والسبب . وكان ممن طلق عمر بن الخطاب ، طلق امرأته قريبة بنت أبي أبى أمية بن المغيرة فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة ، وطلق أم كلثوم الخزاعية وهي أم ابنه عبد الله فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم رجل من قومه وهما على شركهما