ابن عبد البر
205
الدرر في اختصار المغازي والسير
ولما وصل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . إلى الحديبية بركت ناقته صلى اللّه عليه وسلم ، فقال الناس : خلأت « 1 » خلأت ، فقال النبيّ عليه السلام : ما خلأت ، وما هو لها بخلق ، ولكن حبسها حابس « 2 » الفيل عن مكة ، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطّة يسألونني فيها صلة رحم إلا أعطيتهم إياها . ثم نزل صلى اللّه عليه وسلم هنالك ، فقيل : يا رسول اللّه ليس بهذا الوادي ماء ، فأخرج عليه السلام سهما من كنانته ، فأعطاه رجلا من أصحابه ، فنزل في قليب « 3 » من تلك القلب ، فغرزه في جوفه ، فجاش الماء الرّواء « 4 » حتى كفى جميع أهل الجيش . وقيل إن الذي نزل بالسهم في القليب ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي وهو سائق بدن « 5 » رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يومئذ ، وقيل : بل نزل بالسهم في القليب البراء بن عازب . ثم جرت الرسل والسّفراء بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبين كفار قريش ، وطال التراجع والتنازع إلى أن جاءه سهيل بن عمرو العامري ، فقاضاه « 6 » على أن ينصرف عليه السلام عامه ذلك ، فإذا كان من قابل أتى معتمرا ودخل هو وأصحابه مكة بلا سلاح حاشا السيوف في قربها فيقيم بها ثلاثا ويخرج . وعلى / أن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا ، على أن من جاء من الكفار إلى المسلمين مسلما ، من رجل أو امرأة ، ردّ إلى الكفار ، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدا لم يردوه إلى المسلمين . فعظم ذلك على المسلمين حتى كان لبعضهم فيه كلام . وكان رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، أعلم بما علّمه اللّه من أنه سيجعل للمسلمين فرجا ، فقال لأصحابه : اصبروا فإن اللّه يجعل هذا الصلح سببا إلى ظهور دينه ، فأنس الناس إلى قوله بعد نفار منهم . وأبى سهيل بن عمرو أن يكتب في صدر صحيفة الصلح من محمد رسول اللّه وقال له :
--> ( 1 ) خلأت : حرنت . ( 2 ) أي الله جل جلاله . ( 3 ) قليب : بئر ( 4 ) الماء الرواء : الماء العذب السائغ . ( 5 ) البدن : جمع بدنة وهي الناقة تنحر بمكة . ( 6 ) قاضاه هنا : صالحه .