ابن عبد البر
202
الدرر في اختصار المغازي والسير
حسده على النفاق ، فدعه إلى عمله ، وقد كان قومه على أن يتوّجوه بالخرز قبل قدومك المدينة ويقدموه على أنفسهم ، فهو يرى أنك نزعت ذلك منه ، وقد خاب وخسر إن كان يضمر خلاف ما يظهر ، وقد أظهر الإيمان فكله ( 1 ) إلى ربه . وقال عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي بن سلول : يا رسول / اللّه بلغني أنك تريد قتل أبى فإن كنت تريد ذلك فمرنى بقتله ، فو اللّه إن أمرتني بقتله لأقتلنه ، وإني أخشى يا رسول اللّه إن قتله غيرى أن لا أصبر عن طلب الثّأر فأقتل به مسلما ، فأدخل النار ، وقد علمت الأنصار أنى من أبرّ أبنائها بأبيه ، فقال له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - خيرا ، ودعا له ، وقال له : برّ أباك ولا يرى منك إلا خيرا ( * ) . فلما وصل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والمسلمون إلى المدينة من تلك الغزاة وقف عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي لأبيه بالطريق ، وقال : واللّه لا تدخل المدينة حتى يأذن لك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالدخول ، فأذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدخوله . وفي هذه الغزاة قال أهل الإفك في عائشة - رضى اللّه عنها - ما قالوا ، فبرّأها اللّه مما قالوا ، ونزل القرآن ببراءتها ( 2 ) . ورواية من روى أن سعد بن معاذ راجع في ذلك سعد بن عبادة وهم وخطأ ( 3 ) ، وإنما تراجع في ذلك / سعد بن عبادة مع أسيد بن حضير ، كذلك ذكر ابن إسحاق عن الزّهرى عن عبيد اللّه بن عبد اللّه وغيره ، وهو الصحيح ، لأن سعد بن معاذ مات في منصرف رسول اللّه
--> * وذكر بعض العلماء الحكمة التي لأجلها قدم اللّه إسلام الأجانب على اسلام الأقارب حتى بلغ من الأجانب أن يقتل أحدهم أباه إيثارا للّه ولرسوله كما وعد عبد اللّه من نفسه ، فقال : الحكمة في ذلك أنه لو تقدمت الأقارب لقال الملحدون : قوم أرادوا الفخر لأنفسهم فقدم اللّه الأجانب تنزيها لمنصب النبوة من هذه القالة . واللّه أعلم . ( وأنظر في مواقف عبد الله من أبيه ودلالته على حسن ايمانه الروض الأنف 2 / 217 وما بعدها ) . ( 1 ) كله : دعه . ( 2 ) وذلك في الآيات العشر بسورة النور : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ - إلى قوله تعالى : وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ . وقال ابن عبد البر في الاستيعاب ص 766 : أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالذين رموا عائشة بالافك حين نزل القرآن ببراءتها فجلدوا الحد ثمانين فيما ذكر جماعة من أهل السير والعلم بالخبر . ( 3 ) انظر البخاري 5 / 116 وما بعدها والطبري 2 / 610