ابن عبد البر
192
الدرر في اختصار المغازي والسير
إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - قد ولّاك أمر مواليك لتحكم فيهم ، فقال سعد : عليكم بذلك عهد اللّه وميثاقه : أنّ الحكم فيهم ما حكمت ( 1 ) ؟ قالوا : نعم ، قال : وعلى من هنا ؟ من ( 2 ) الناحية التي فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو معرض عن رسول اللّه إجلالا له . فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : نعم . قال سعد : فإني أحكم فيهم أن يقتل الرّجال وتسبى الذّرارى ( 3 ) والنّساء ، وتقسم الأموال . / فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لقد حكمت فيهم بحكم اللّه تعالى من فوق سبعة أرقعة ( 4 ) . وأمر بهم رسول اللّه فأخرجوا إلى موضع [ سوق ( 5 ) المدينة ] فخندق بها خنادق ، ثم أمر بهم النبيّ عليه السلام فضربت أعناقهم في تلك الخنادق ( * ) وقتل يومئذ حيىّ بن أخطب وكعب بن أسد . وكانوا من / الستمائة إلى السبعمائة . وقتل من نسائهم امرأة ، وهي بنانة امرأة الحكم القرظىّ التي طرحت الرّحى على خلاد ( 6 ) بن سويد ، فقتلته ( * ) . وأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - بقتل كل من أنبت ( 7 ) منهم وترك كل من لم ينبت . وكان عطية القرظىّ من جملة من لم ينبت فاستحياه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو مذكور
--> ( 1 ) هكذا في ابن هشام ، وفي الأصل : أن أحكم فيهم ما حكمت . ( 2 ) في ابن هشام في . ( 3 ) الذراري : الأولاد الذين لم يبلغوا الحلم . ( 4 ) الأرقعة : جمع رقيع ، وهي السماوات ، سميت كذلك لأنها موقوعة بالنجوم . ولوحظ في الأرقعة التذكير ولذلك جيء معها بالعدد مؤنثا ، وكأنما المراد بها السقوف جمع سقف . ( 5 ) زيادة من ابن هشام . * قلت : استدل بعضهم بهذا الحديث على صحة القول بأن لله تعالى في كل واقعة حكما معينا ، من أصابه فقد أصاب الحق ومن اخطأه فقد أخطأ الحق خلافا للقائلين : كل مجتهد مصيب ولا حكم للّه في الواقعة الا ما ظنه المجتهد . وأجاب الآخرون عن هذا الحديث بأن هذه المسألة لم تكن ظنية ، بل كان وجوب قتل هؤلاء قطعيا وكان ذنبهم أعظم من أن يغفر أو يكفر أو يقبل ( فيه ) الإقالة . ولا خلاف بين الطوائف أن المسائل القطعية لله تعالى فيها حكم معين . قلت : والظاهر أن لا عذر بذلك ، بل كانت المسألة ظنية اجتهادية ولهذا كان غير سعد من الأوس يرى العفو عنهم وقد عرضوا لسعد بذلك فلم يقبل منهم ، ولا يظن بالأوس بجملتهم انهم أخطئوا والصواب القطعي فدل انه اجتهاد وفق فيه سعد . ( 6 ) كان ذلك في أثناء معركة بني قريظة القت الرحى عليه من أحد أطامهم . * قلت : فيه دليل على أن الذمية إذا قاتلت في الحرب فقتلت قتلت ، وفيه خلاف ويحتمل أن يقال قتلت وهي في العهد وليست مسألة الخلاف ، لان الذمية تقتل بالمسلم . ( 7 ) انبت : اخضرت ذقنه .