ابن عبد البر

189

الدرر في اختصار المغازي والسير

غزوة ( 1 ) بني قريظة فخرج المسلمون مبادرين إلى بني قريظة ، فطائفة خافوا فوات الوقت فصلّوا وطائفة قالوا : واللّه لا صلّينا العصر إلا في بني قريظة ، فبذلك أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ثم علم - صلى اللّه عليه وسلم - باجتهادهم ، فلم يعنّف واحدا منهم ( * ) . وأعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الراية علىّ بن أبي طالب ، واستخلف على المدينة ابن أمّ مكتوم . ونهض على وطائفة معه حتى أتوا بني قريظة ونازلوهم وسمعوا سبّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . / فانصرف على إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له : يا رسول اللّه لا تبلغ إليهم وعرّض له . فقال له : أظنك سمعت منهم شتمى ، لو رأوني لكفّوا عن ذلك . ونهض إليهم ، فلما رأوه أمسكوا ، فقال لهم : نقضتم العهد يا إخوة القرود ، أخزاكم اللّه وأنزل بكم نقمته ، فقالوا : ما كنت جاهلا يا محمد فلا تجهل ( 2 ) علينا . ونزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فحاصرهم بضعا ( 3 ) وعشرين ليلة ، وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد ثلاث خصال ليختاروا أيها شاءوا : إما أن يسلموا ويتّبعوا محمدا على ما جاء به فيسلموا ، قال : وتحرزوا أموالكم ونساءكم وأبناءكم فو اللّه إنكم لتعلمون أنه الذي تجدونه في كتابكم . وإما أن يقتلوا أبناءهم ونساءهم ثم يتقدموا فيقاتلوا حتى يموتوا عن آخرهم . وإما أن يبيّتوا ( 4 ) المسلمين ليلة السبت في حين طمأنينتهم فيقتلوهم قتلا . فقالوا له : أما الإسلام فلا نسلم ولا نخالف حكم التوراة ( 5 ) ، وأما قتل أبنائنا ونسائنا فما جزاؤهم المساكين منا أن نقتلهم ، ونحن لا نتعدّى [ في ] السّبت .

--> ( 1 ) انظر في غزوة بني قريظة ابن هشام 3 / 244 والواقدي 371 وابن سعد ج 2 ق 1 ص 53 وأنساب الأشراف 1 / 167 والبخاري 5 / 111 وتاريخ الطبري 2 / 581 وابن حزم ص 191 وابن سيد الناس 2 / 68 وابن كثير 4 / 116 والنويري 17 / 186 والسيرة الحلبية 2 / 427 . * قلت : فيه دليل على أن كل مجتهد مصيب ، لأنه سوى بين الطائفتين ، ولو كانت إحداهما أصابت والأخرى أخطأت لفضل أهل الصواب وان لم يعنف أهل الخطأ . ( انظر في ذلك الروض الأنف 2 / 195 ) . ( 2 ) الجهل هنا بمعنى النزق والسفه أي ضد الحلم . ( 3 ) قيل خمسا وعشرين ليلة . ( 4 ) يبيتونهم : يأتونهم ليلا . ( 5 ) أي في إهمال العمل يوم السبت .