ابن عبد البر

190

الدرر في اختصار المغازي والسير

ثم بعثوا إلى أبى لبابة ، وكانوا حلفاء بنى عمرو بن عوف وسائر الأوس ، فأتاهم ، فجمعوا إليه أبناءهم ورجالهم ونساءهم / وقالوا : له يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ فقال : نعم ، وأشار بيده إلى حلقه ، إنه الذّبح إن فعلتم . ثم ندم أبو لبابة في الحين ، وعلم أنه خان اللّه ورسوله ، وأنه أمر لا يستره اللّه عن نبيّه صلى اللّه عليه وسلم . فانطلق إلى المدينة - ولم يرجع إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم - فربط نفسه في سارية ( 1 ) ، وأقسم لا يبرح مكانه حتى يتوب اللّه عليه . فكانت امرأته تحلّه لوقت كل صلاة . قال ابن عيينة وغيره : فيه نزلت : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ ) . وأقسم أن لا يدخل أرض بني قريظة أبدا ، مكانا أصاب فيه الذم ( 2 ) . فلما بلغ ذلك النبيّ من فعل أبى لبابة قال : أما إنه لو أتاني لاستغفرت له ، وأما إذ فعل فلست أطلقه حتى يطلقه اللّه ، فأنزل اللّه تعالى في أمر لبابة : ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ) - الآية فلما نزل فيه القرآن أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - باطلاقه ( * ) ونزل - في تلك الليلة التي في صبيحتها نزلت بنو قريظة على حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - ثعلبة ، وأسيد ( 3 ) ابنا سعية ، وأسد بن عبيد ، وهم نفر من هدل بنى عمّ قريظة والنّضير

--> * قلت : وانما أطلقه النبيّ صلى الله عليه وسلم بهذه الآية لان الله تعالى قال : ( عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) وعسى من اللّه واجبة ، وجاء في الخبر أنه لما نزلت توبته جاءت فاطمة تحله ، فقال : انى حلفت ان لا يحلني الا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم حينئذ : فاطمة بضعة ( قطعة ) منى . ( وفي رواية أخرى في صحيح مسلم بشرح النووي : ومضغة منى ) فان قلت : فلو اتفق مثل ذلك هل كان الحالف يبر بفعل ذلك المحلوف عليه ؟ قلت : لا ، اما لان هذا خاص ، وأما لان فاطمة بضعة من الرسول صلى الله عليه وسلم قطعا لأنه حرسها الوحي ، واما ولد غير الأنبياء فلا يقطع بأنه ابن أبيه ، وان طابقه والله متولى السرائر ، ولهذا قال عبد الله بن سلام لما نزل قوله تعالى : ( يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ) : واللّه انى لأعرفه أكثر مما أعرف ابني لأنى أعرفه يقينا بالمعجزات والآيات ، وأما ابني فلا أدرى ما صنع النساء . رجع الكلام . ( 1 ) سارية : عمود من أعمدة المسجد . ( 2 ) اختلف في السبب الذي من أجله صنع أبو لبابة ما صنع ندما وطلبا للمغفرة ، فقيل كما هنا بسبب حادثته مع بني قريظة وقيل لأنه تخلف عن غزوة تبوك فنزلت فيه الآية : ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ) انظر الاستيعاب ص 675 . ( 3 ) بفتح الهمزة وكسر السين عند أكثر الرواة وبفتحها مع ضم الهمزة عند نفر منهم .