ابن عبد البر
188
الدرر في اختصار المغازي والسير
فلما اتصل برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اختلاف أمرهم بعث حذيفة بن اليمان ليأتيه بخبرهم ، فأتاهم واستتر في غمارهم ، وسمع أبا سفيان يقول : يا معشر قريش ليتعرّف كل امرئ منكم جليسه . قال حذيفة : فأخذت بيد جليسى وقلت ، من أنت ؟ فقال : أنا فلان . ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش إنكم واللّه ما أصبحتم بدار مقام ، ولقد هلك الكراع ( 1 ) والخفّ وأخلفتنا بنو قريظة ولقينا من هذه الريح ما ترون ، ما يستمسك لنا بناء ولا تثبت لنا قدر ولا تقوم / [ لنا ] ( 2 ) نار ، فارتحلوا ، فإني مرتحل . ووثب على جمله ، فما حلّ عقال يده ( 3 ) إلا وهو قائم ( * ) . قال حذيفة : ولولا عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلىّ إذ بعثني ، وقال لي : مرّ إلى القوم فاعلم ما هم عليه ولا تحدث شيئا لقتلته بسهم . ثم أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند رحيلهم فوجدته قائما يصلّى ، فأخبرته ، فحمد اللّه . ولما أصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد ذهب الأحزاب رجع ( 4 ) إلى المدينة ووضع المسلمون سلاحهم ، فأتاه جبريل - صلى اللّه عليه وسلم - في صورة دحية بن خليفة الكلبىّ على بغلة عليها قطيفة ديباج فقال له : يا محمد إن كنتم قد وضعتم سلاحكم فما وضعت الملائكة سلاحها ، إن اللّه يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة وإني متقدم إليهم فمزلزل بهم . فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - مناديا ينادى في الناس : لا يصلينّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة . وكان / سعد بن معاذ إذ أصابه السهم دعا ربّه ، فقال : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، فإنه لا قوم أحبّ [ إلى ] أن أجاهدهم من قوم كذّبوا رسولك وأخرجوه ، اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ولا تمتنى حتى تقرّ عيني من بني قريظة .
--> ( 1 ) الكراع : الخيل . ( 2 ) زيادة من ابن هشام . ( 3 ) أي يد البعير وكان قد ضربه فوثب به على ثلاث ولم يطلق عقال الرابعة الا وهو قائم . * قلت : هذه الريح ، وأما الجنود التي لم يروها ، قال اللّه سبحانه ( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها ) فتلك الجنود الملائكة بعثها الله قبل ، فنفثت في روعهم الرعب والفشل وفي قلوب المؤمنين القوة والأمل . وقيل : انما بعثت الملائكة بزجر خيل العدو وإبلهم ، فقطعوا مسيرة ثلاثة أيام في يوم واحد ناكصين . والحمد لله رب العالمين . ( 4 ) وكان رجوعه من غزوة الخندق يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة .