ابن عبد البر
187
الدرر في اختصار المغازي والسير
في الجاهلية - فقال : يا بني قريظة قد عرفتم ودّى إياكم وخاصّة ما بيني وبينكم ، قالوا : قل ، فلست عندنا بمتّهم ، فقال لهم : إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم ، فيه « 1 » أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم « 2 » عليه ، فإن رأوا نهزة « 3 » أصابوا وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل ، ولا طاقة لكم به ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا . ثم خرج حتى أتى قريشا ، فقال لهم : قد عرفتم ودّى لكم معشر قريش وفراقي محمدا وقد بلغني أمر أرى من الحق أن أبلغكموه نصحا لكم ، فاكتموا علىّ ، قالوا : نفعل . قال : أتعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما كان من خلافهم محمدا وأرسلوا إليه إنا قد ندمنا على ما فعلنا ، فهل يرضيك أن نأخذ من قريش وغطفان رهنا رجالا ونسلمهم إليكم لتضربوا أعناقهم ، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى تستأصلهم . ثم أتى غطفان ، فقال مثل ذلك . فلما كانت ليلة السبت وكان ذلك من صنع اللّه عزّ وجلّ لرسوله وللمؤمنين أرسل / أبو سفيان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان يقول لهم : إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك الخفّ والحافر « 4 » فاغدوا صبيحة غد للقتال حتى نفاجئ محمدا . فأرسلوا إليهم إن اليوم يوم السبت « 5 » ، وقد علمتم ما نال منا من تعدّى في السّبت ، ومع ذلك فلا نقاتل معكم أحدا حتى تعطونا رهنا . فلما رجع الرسول بذاك قالوا : صدقنا واللّه نعيم بن مسعود . فردّوا إليهم الرسل ، وقالوا : واللّه لا نعطيكم رهنا أبدا ، فأخرجوا معنا إن شئتم ، وإلا فلا عهد بيننا وبينكم ، فقال بنو قريظة : صدق واللّه نعيم بن مسعود . وخذّل اللّه بينهم واختلفت كلمتهم وبعث اللّه عليهم ريحا عاصفا في ليال شديدة البرد ، فجعلت الريح تقلب أبنيتهم « 6 » ، وتكفأ « 7 » قدورهم .
--> ( 1 ) هكذا في ابن هشام ، وفي الأصل : فبه . ( 2 ) ظاهرتموهم : اعنتموهم وساعدتموهم . ( 3 ) نهزة : فرصة . ( 4 ) الخف : الإبل . الحافر : الخيل . ( 5 ) في ابن هشام : وهو يوم لا نعمل فيه شيئا . ( 6 ) أبنيتهم : خيامهم . ( 7 ) تكفأ : تقلب .