ابن عبد البر
159
الدرر في اختصار المغازي والسير
فتناول صلى اللّه عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصّمّة ، ثم طعنه بها في عنقه ، فكرّ أبىّ منهزما ، فقال له المشركون : واللّه ما بك من بأس ، فقال : واللّه لو بزق « 1 » علىّ لقتلني ، أليس قد قال : بل أنا أقتله . وكان قد أوعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم القتل بمكة ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بل أنا أقتلك . فمات عدو اللّه من ضربة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مرجعه إلى مكة بموضع يقال له : سرف « 2 » . وملأ علىّ درقته « 3 » من ماء المهراس « 4 » وأتى به رسول اللّه ليشربه ، فوجد فيه رائحة ، فعافه وغسل به من الدم وجهه ، ونهض / إلى صخرة من الجبل ليعلوها ، وكان عليه درعان وكان قد بدّن « 5 » ، فلم يقدر [ أن ] يعلوها ، فجلس له طلحة ، وصعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ظهره ، ثم استقلّ به طلحة حتى استوى على الصخرة . وحانت الصلاة ، فصلّى جالسا والمسلمون وراءه قعودا . روى سفيان الثّورى ومعمر بن كراع عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن جده ، عن سعد ابن أبي وقّاص ، قال : رأيت عن يمين النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وعن شماله رجلين عليهما ثياب بيض يوم أحد لم أرهما قبل ولا بعد . وانهزم قوم من المسلمين يومئذ ، منهم عثمان بن عفّان ، فعفا اللّه عنهم ونزل فيهم : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ) - الآية وكان الحسيل بن جابر العبسي - وهو اليمان والد حذيفة بن اليمان - وثابت بن وقش شيخين كبيرين قد جعلا في الآطام « 6 » مع النساء والصبيان ، فقال أحدهما لصاحبه : ما بقي من أعمارنا « 7 » ؟ !
--> ( 1 ) في بعض المصادر : بصق . ( 2 ) سرف : موضع على ستة أميال من مكة . ( 3 ) الدرقة : الترس من جلد . ( 4 ) المهراس : اسم ماء بأقصى شعب أحد . ( 5 ) بدن : أسن وضعف . ( 6 ) الآطام : الحصون . ( 7 ) في بعض المصادر : ما بقي من أعمارنا ظمء حمار . والظمء : ما بين الوردين ، والحمار : أقصر الدواب ظمأ أي ما بقي من أعمارنا الا القليل .