ابن عبد البر

140

الدرر في اختصار المغازي والسير

/ أن الهجرة الأولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة ، وأنه هاجر في تلك الهجرة جعفر ابن أبي طالب بامرأته أسماء بنت عميس ، وعثمان بن عفان بامرأته رقية بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأبو سلمة بن عبد الأسد بامرأته أم سلمة بنت أبي أمية ، وخالد بن سعيد بن العاص بامرأته . وهاجر فيها رجال من قريش ذوو عدد « 1 » ليس معهم نساؤهم . فلما أرى رسول اللّه دار هجرتهم قال لأصحابه : قد أريت دار هجرتكم : سبخة ذات نخل بين لابتين « 2 » وهي المدينة . فهاجر إليها من كان معه ، ورجع رجال من أرض الحبشة حين سمعوا بذلك ، فهاجروا إلى المدينة ، منهم عثمان بابنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأبو سلمة بامرأته أم سلمة وحبس ( مكث ) بأرض الحبشة جعفر بن أبي طالب ، وحاطب بن الحارث ، ومعمر بن عبد اللّه العدوي ، وعبد اللّه بن شهاب ، ورجال ذوو عدد من المهاجرين من قريش الذين هاجروا إلى أرض الحبشة حالت بينهم وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الحرب . فلما كانت وقعة بدر وقتل اللّه فيها صناديد الكفار قال كفار قريش : إن ثأركم بأرض الحبشة ، فأهدوا إلى النجاشي وابعثوا إليه / رجلين من ذوى رأيكم ، لعله يعطيكم من عنده من قريش ، فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر . فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد اللّه بن أبي ربيعة « 3 » ، وأهدوا للنجاشي ولعظماء الحبشة هدايا . فلما قدما على النجاشي قبل هداياهم ، وأجلس معه عمرو بن العاص على سريره . فقال لهم « 4 » النجاشي : ما دينكم ؟ أنصارى أنتم ؟ قالوا : لا . قال : فما دينكم ؟ قالوا : ديننا الإسلام ، قال : وما الإسلام ؟ قالوا : نعبد اللّه ولا نشرك به شيئا ، قال : ومن جاءكم بهذا ؟ قالوا : جاءنا به رجل من أنفسنا قد عرفنا وجهه ونسبه أنزل اللّه عليه كتابه ، فعرّفنا كلام اللّه وصدّقناه . قال لهم النجاشي : فبم يأمركم ؟ قالوا يأمرنا أن نعبد اللّه ولا نشرك به شيئا ، ويأمرنا أن نترك ما كان يعبد آباؤنا ، ويأمرنا بالصلاة وبالوفاء وبأداء الأمانة وبالعفاف .

--> ( 1 ) مر بنا أن عدد المهاجرين إلى الحبشة في الهجرة الثانية كان ثلاثة وثمانين رجلا وثماني عشرة امرأة ( 2 ) اللابة : الحرة ، المدينة تقع بين لابتين أو حرتين بتشديد الراء . ( 3 ) في بعض الروايات أن الذي أرسلته قريش مع عمرو بن العاص هو عمارة بن الوليد وانظر الروض الأنف 1 / 212 وابن سيد الناس 1 / 118 والأغانى لأبى الفرج الأصفهاني في ( طبعة دار الكتب ) 9 / 55 وسيشير إلى ذلك ابن عبد البر في نهاية القصة . ( 4 ) لهم : أي للمسلمين الذين نزلوا ببلده