ابن عبد البر

141

الدرر في اختصار المغازي والسير

قال النجاشي : فو اللّه إن ( 1 ) خرج هذا إلا من المشكاة ( 2 ) التي خرج منها أمر موسى عليه السلام ، فقال عمرو بن العاص حين سمع ذلك من النجاشي : إن هؤلاء يزعمون أن ابن مريم إلهك الذي تعبد عبد . فقال النجاشي لجعفر ومن معه من المهاجرين : ما ذا تقولون في عيسى بن مريم ؟ قالوا : نقول هو عبد اللّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وابن العذراء البتول ( 3 ) . فخفض النجاشي يده إلى الأرض ، فأخذ عودا وقال : واللّه ما زاد على ذلك قدر هذا العود ( 4 ) . فقال عظماء الحبشة : واللّه لئن سمعت الحبشة بهذا لتخلعنّك . فقال النجاشي واللّه لا أقول في ابن مريم غير هذا القول أبدا ، إن اللّه لم يطع فىّ الناس حين ردّ إلىّ ملكي فأنا أطيع الناس في اللّه ، معاذ اللّه من ذلك . ارجعوا إلى هذا هديته ، فو اللّه لو رشونى دبرا من ذهب ما قبلته . والدبر : الجبل ، قال الهروي : لا أدرى عربى أم لا . ثم قال : من نظر إلى هؤلاء الرّهط نظرة يؤذيهم بها فقد غرم - ومعنى غرم هلك في قوله تعالى : ( إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً ) - فخرج عمرو ابن العاص وابن أبي ربيعة ( * ) وسمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ببعث قريش عمرو بن العاص إلى النجاشي ، فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمرو بن أمية الضّمرى وكتب معه إلى النجاشي ، فقدم على النجاشي ، فقرأ كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين ، وأرسل إلى الرّهبان والقسّيسين ، فجمعهم ، ثم أمر جعفرا يقرأ عليهم القرآن ،

--> ( 1 ) ان هنا بمعنى ما النافية . ( 2 ) المشكاة : كل كوة - بتشديد الواو - نافذة ( 3 ) البتول : الطاهرة . ( 4 ) يريد : ما زادت المسيحية على ذلك . * قلت : وكان من شأنه أن نزع من الملك مرة وباعه قومه واشتراه العرب ، فوقع لرجل من بنى مرة ، فاسترعاه الغنم . ولما سمع بانتصار النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم بدر بعث إلى من عنده من المسلمين يبشرهم بذلك ، فحضروا ، فإذا عليه مسح أسود وقد افترش الرماد وجلس عليه ، وذكر أن السبب في ذلك أنه يجد عنده [ أي في الإنجيل ] أن من أصابته نعمة عظيمة تواضع للّه بقدر تلك النعمة ، وقص عليهم الخبر ، فقال : أن الواقعة كانت ببدر واد كثير الأراك ، وقال : انا اعرف الوادي كنت أرعى فيه الغنم على سيدي أحد بنى ضمرة ( هكذا ) . وأقام النجاشي مستعبدا ما شاء اللّه . فلما اختلط أمر الحبشة لفقده بعثوا في طلبه فأعادوه إلى ملكه بعد العبودية . فهذا ما أشار إليه حيث يقول : « فو اللّه ما أطاع اللّه في الناس حين رد على ملكي » والله أعلم .