ابن عبد البر

115

الدرر في اختصار المغازي والسير

ثم أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقتلى المشركين ، فسحبوا إلى القليب ورموا فيه وضمّ ( 1 ) عليهم التراب ، ثم وقف عليهم فناداهم : هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت / ما وعدني ربى حقا . فقيل له : يا رسول اللّه تنادى أقواما أمواتا قد جيّفوا ؟ فقال : ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون . ومن هذا المعنى قوله صلى اللّه عليه وسلم في الميت إذا دفن وانصرف الناس عنه إنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولّوا عنه مدبرين . وجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الأنفال ( 2 ) عبد اللّه بن كعب بن عمرو الأنصاري . ثم انصرف . فلما نزل الصّفراء قسم بها الغنائم كما أمر اللّه عزّ وجلّ . وضرب بها عنق النّضر ابن الحارث بن علقمة بن كلدة العبدري ، وهو الذي جاءت ( 3 ) ابنته قتيلة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنشدته : يا راكبا إن الأثيل مظنّة * من صبح خامسة وأنت موفّق ( 4 ) أبلغ به ميتا بأن تحيّة * ما إن تزال بها النجائب تخفق ( 5 ) منى إليه ( 6 ) وعبرة مسفوحة * جادت بواكفها وأخرى تخنق ( 7 ) ظلّت سيوف بنى أبيه تنوشه * للّه أرحام هناك تشقّق ( 8 ) / أمحمد يا خير ضنء كريمة * من قومها والفحل فحل معرق ( 9 ) ما كان ضرّك لو مننت وربما * منّ الفتى وهو المغيظ المحنق والنّضر أقرب من قتلت قرابة * وأحقهم إن كان عتق يعتق فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أما إني لو سمعت هذا قبل قتله لم أقتله ( * ) .

--> ( 1 ) في ابن حزم : وطم عليهم التراب . ( 2 ) الأنفال : الغنائم ( 3 ) المشهور أنها كتبت للرسول بهذه القصيدة حين جاءها نعى أبيها . وانظر الاستيعاب ص 777 . ( 4 ) الأثيل : موضع قرب المدينة . ( 5 ) النجائب : الإبل الكريمة . ( 6 ) في الأصل : إليك ، وهكذا : إليه في المصادر الأخرى . ( 7 ) جادت : من الجود وهو المطر . وواكف الدمع : سائله . ( 8 ) تنوشه : تتناوله . ( 9 ) الضنء : الأصل . معرق : كريم الأصل . * وليس معناه الندم لأنه عليه السلام لا يقول ولا يفعل الا حقا ، لكن معناه لو شفعت عندي بهذا القول لقبلت شفاعتها . وفيه تنبيه على حق الشفاعة والضراعة ولا سيما الاستعطاف بالشعر فان مكارم الأخلاق تقتضى إجازة الشاعر وتبليغه قصده . واللّه أعلم .