ابن عبد البر

116

الدرر في اختصار المغازي والسير

ثم لما نزل عرق « 1 » الظّبية ضرب عنق عقبة بن أبي معيط . قال أبو عمر : روى عن عبادة بن الصّامت قال : خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بدر ، فلقوا العدو . فلما هزمهم اللّه اتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم ، وأحدقت طائفة برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واستلوت طائفة على العسكر والنهب . فلما نفى اللّه العدوّ ورجع / الذين طلبوهم قالوا لنا النّفل ، نحن طلبنا العدو ، وبنا نفاهم اللّه وهزمهم . وقال الذين أحدقوا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما أنتم أحق به منا ، بل هو لنا ، نحن أحدقنا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لئلّا ينال العدوّ منه غرّة . وقال الذين استلووا [ على ] العسكر والنهب : ما أنتم أحق به منا ، هو لنا ، نحن حويناه واستلوينا عليه . فأنزل اللّه عز وجل : ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) . فقسمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن فواق بينهم . قال أبو عمر : قال أهل العلم بلسان العرب : استلووا : أطافوا وأحاطوا ، يقال : الموت مستلو على العباد . وقوله : فقسمه عن فواق يعنى عن سرعة . قالوا : والفواق : ما بين حلبتى الناقة ، يقال : انتظره فواق ناقة أي هذا المقدار . ويقولونها بالفتح والضم : فواق ، فواق . وكان هذا قبل أن ينزل : ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ) - الآية . وكان المعنى « 2 » عند العلماء : أي إلى اللّه وإلى الرسول الحكم فيها والعمل بها بما يقرب من اللّه . وذكر محمد بن إسحاق ، قال : حدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان بن موسى أبى الأشدق ، عن مكحول ، عن أبي أمامة الباهلي ، قال : سألت عبادة بن الصامت / عن الأنفال « 3 » ، فقال : فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النّفل وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه اللّه من أيدينا وجعله إلى الرسول . فقسّمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن بواء ، يقول على السواء . فكان [ في ] ذلك تقوى اللّه وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين .

--> ( 1 ) غرق الظبية : موضع قرب الروحاء . ( 2 ) المعنى : أي معنى آية : ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ) ( 3 ) الأنفال : أي سورة الأنفال . وفي ذلك ما يدل على أن آية : ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ) لم تنزل عقب سرية عبد اللّه بن جحش كما قد يتبادر من رواية نزولها عقبها كما مر بنا ، وانما نزلت بعد غزوة بدر الكبرى .