العلامة المجلسي

172

بحار الأنوار

بسبب أنه كان يعرف ذلك ضرورة فيزداد يقينا وتعظيما . وأما المعتزلة فقالوا : لو حصل الكلام في الجبل لحصل إما بفعله أو بفعل الله تعالى فيه ، والأول محال لان بنية الجبل لا تحتمل الحياة والعلم والقدرة ، وما لا يكون حيا عالما قادرا يستحيل منه الفعل ، والثاني أيضا محال ، لان المتكلم عندهم من كان فاعلا للكلام لامن كان محلا له ، فلو كان فاعل ذلك الكلام هو الله تعالى لكان المتكلم هو الله لا الجبل ، فجعلوا التسبيح من السباحة وبناء التفعيل للتكثير مثل قوله " يا جبال أو بي معه " والحاصل : سيري معه . واعلم أن مدار هذا القول على أن بنية الجبل لا تقبل الحياة ، وهذا ممنوع ، وعلى أن التكلم من فعل الله وهو أيضا ممنوع . وأما الطير فلا امتناع في أن يصدر عنها الكلام ولكن اجتمعت الأمة على أن المكلفين إما الجن ( 1 ) والانس أو الملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف بل يكون حاله كحال الطفل في أن يؤمر وينهى وإن لم يكن مكلفا ، فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المراهق . وأيضا دلالته على قدرة الله وعلى تنزيهه مما لا يجوز فيكون القول فيه كالقول في الجبال - انتهى - ( 2 ) . " وعلمناه صنعة لبوس لكم " أي علمناه كيف يصنع الدروع . قال قتادة : أول من صنع الدروع داود وإنما كانت صفائح ، جعل الله سبحانه الحديد في يده كالعجين فهو أول من سردها وحلقها فجمعت الخفة والتحصين . " ولسليمان " أي سخرنا له " الريح عاصفة " أي شديدة الهبوب . " ألم تر أن الله يسجد له " لعل المراد بالسجود غاية الخضوع والانقياد الممكن من الشئ ، ففي الجمادات والعجم من الحيوانات يحصل منهم غاية الانقياد الذي يتأتى منهم ، وكذا الملائكة وصالحوا المؤمنين . وأما الكفار والفجار فلما لم يتأت منهم غاية الانقياد أخرجهم وقال " وكثير من الناس " لأنهم وإن كانوا في الأوامر التكوينية منقادين فليسوا في الأوامر التكليفية كذلك

--> ( 1 ) في المصدر : أو . ( 2 ) مفاتيح الغيب : ج 22 ، ص 200 .