العلامة المجلسي

173

بحار الأنوار

فالسجود محمول على معنى واحد وليس من استعمال المشترك في معنييه كما عرفت سابقا . وقال الرازي : الرؤية هنا بمعنى العلم ، وفي السجود وجوه : أحدها قال الزجاج : أجود الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة لله تعالى وهو كقوله " فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها - الآية - " " أن نقول له كن فيكون " " وإن منها لما يهبط من خشية الله " " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " " وسخرنا مع داود الجبال " والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الاعراض التي يحدثها الله تعالى فيها من غير امتناع البتة أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود . وأما قوله " وكثير من الناس " ففيه وجوه : أحدها أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه وإن كان عاما في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر ، فهذا الشخص وإن كان ساجدا بذاته لكنه متمرد بظاهره ، أما المؤمن فإنه ساجد بذاته وبظاهره ، فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر . وثانيها أن نقطع قوله " وكثير من الناس " عما قبله ، ثم فيه ثلاثة أوجه : الأول أن نقول : تقدير الآية : ولله يسجد من في السماوات والأرض ويسجد له كثير من الناس . فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد والثاني بمعنى الطاعة والعبادة لئلا يلزم استعمال المشترك في معنييه جميعا . الثاني أن يكون قوله " وكثير من الناس " مبتدءا خبره محذوف وهو ، مثاب ، لان خبر مقابله يدل عليه وهو قوله " حق عليه العذاب " . والثالث أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف " كثير " على " كثير " ثم يخبر عنهم ب‍ " حق عليهم العذاب " وثالثها من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا يقول : إن المراد بالسجود في حق الاحياء العقلاء السجود ، وفي حق الجمادات الانقياد . فان قيل : قوله " من في السماوات والأرض " لفظ العموم فيدخل فيه الناس ، فلم قال مرة أخرى " وكثير من الناس " ؟ قلنا : لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون ، فبين أن كثيرا منهم يسجدون طوعا دون كثير منهم فإنه يمتنع عن ذلك . القول الثاني في تفسير السجود أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال :