العلامة المجلسي
133
بحار الأنوار
وكثرت لهم شكاياتهم . فقال : هذا شئ حدث في أيامي أم لم يزل كذا ؟ فقيل له : بل هو جار على ما أسسه ملوك الفرس من المطالبة بالخراج في إبان النيروز ، وصاروا به قدوة لملوك العرب . فأحضر المؤبد وقال له : قد كثر الخوض في هذا ولست أتعدى رسوم الفرس ، فكيف كانوا يفتحون الخراج على الرعية مع ما كانوا عليه من الاحسان والنظر ؟ ولم استجازوا المطالبة في هذا الوقت الذي لم تدرك فيه الغلات والزروع ؟ فقال المؤبد : وإنهم وإن كانوا يفتحونها في النيروز ، فما كان يجبى إلا وقت إدراك . فقال : وكيف ذلك ! فبين له حال السنين وكمياتها واحتياجها إلى الكبس ، ثم عرف أن الفرس كانوا يكبسونها فلما جاء الاسلام عطل ، فأضر ذلك بالناس ، واجتمع الدهاقنة زمن هشام بن عبد الملك إلى خالد القسري فشرحوا له هذا وسألوه أن يؤخروا النوروز شهرا ، فأبى وكتب إلى هشام بذلك ، فقال : إني أخاف أن يكون هذا من قول الله " إنما النسئ زيادة في الكفر ( 1 ) " فلما كان أيام الرشيد اجتمعوا إلى خالد بن يحيى بن برمك وسألوه أن يؤخروا النوروز نحو الشهرين ، فعزم على ذلك فتكلم أعداؤه فيه وقالوا : إنه يتعصب للمجوسية فأضرب عن ذلك وبقي الامر على حاله . فأحضر المتوكل إبراهيم بن العباس الصولي وأمره أن يوافق المؤبد على ما ذكره من النيروز ويحسب الأيام ويجعل له قانونا غير متغير ، وينشئ عنه كتابا إلى بلدان المملكة في تأخير النوروز ، فوقع العزم على تأخيره إلى سبعة عشر يوما من حزيران ، ففعل ذلك ونفذت الكتب إلى الآفاق في المحرم سنة ثلاث وأربعين ومأتين . فقال البختري في ذلك قصيدة يمدح فيها المتوكل ، وقتل المتوكل ولم يتم له ما دبر ، حتى قام المعتضد بالخلافة واسترد بلدان المملكة من المتغلبين عليها ، وتفرغ للنظر في أمور الرعية ، فكان أهم شئ إليه أمر الكبيسة وإتمامه ، فاحتذى ما فعله المتوكل في تأخير النوروز ، غير أنه نظر من جهة أخرى ، وذلك أن المتوكل أخذ ما بين سنته وبين أول تاريخ الملك يزدجرد ، وأخذ المعتضد ما بين سنته وبين السنة التي زال فيها ملك الفرس بهلاك يزدجرد
--> ( 1 ) التوبة : 38 .