الشيخ باقر شريف القرشي

21

حياة الإمام موسى بن جعفر ( ع )

وأفضت الخلافة إلى هارون ، وزهرت له الدنيا ، واستوسقت له الأمور ، ونال من دنياه كل ما اشتهى وأراد ، قد عم نفوذه على أغلب انحاء هذه المعمورة حتى أثر عنه خطابه للسحاب « اذهبي إلى حيث شئت يأتيني خراجك » « 1 » . وجبي له الخراج من جميع الأقاليم الاسلامية ، وصارت عاصمته بغداد عروس الدنيا ، ومستودع أضخم بيت للمال في العالم ، وقصدها النوابغ والعباقرة والفنانون من سائر الشعوب ، وانتشر فيها الثراء الفاحش والتضخم النقدي عند التجار والموظفين والندماء والمطربين والمجان ، وتناثرت فيها القصور الرائعة التي شيدت على طراز هندسي جميل مزيج من الذوقين العربي والفارسي ، وصارت بغداد بما فيها من الحدائق الغناء زينة الشرق ، وأعظم عاصمة لأهم إمبراطورية شاهدها التأريخ ، ففيها قصر الخلد الذي شبه بجنة الخلد التي وعد بها المتقون ، وفيها قصر السلام الذي شبه بقوله تعالى : « لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ » وفي هذه القصور تجري من تحتها الأنهار ، وتموج بالحور العين كأمثال اللؤلؤ المكنون ، وقد وصلت بغداد إلى منتهى المجد والفخار . وجلس هارون على أريكة الخلافة الاسلامية العظمى وهو السيد المطلق والحاكم الروحي المطاع قد استولى على جميع امكانيات الدولة ومقدرات المجتمع يهب لمن يشاء ويمنع عمن يشاء لا يسأل عما يفعل ولا يحاسب عما يبذر فهو ظل اللّه في أرضه وخليفته على عباده - كما يقولون - . تقمص الخلافة وهو في شرخ الشباب وعنفوانه لم يذق من عنت الأيام ومحنها ولم تصقله التجارب ، قد جاء إليه الملك عفوا بعد مؤامرة خطيرة اشتركت في تدبيرها أمه الخيزران ورئيس وزرائه يحيى البرمكي فدبرا

--> ( 1 ) صبح الأعشى 3 / 270