الشيخ باقر شريف القرشي
45
حياة الإمام محمد الباقر ( ع )
العصماء التي دللت على واقع الامام العظيم ، وعرفته لأهل الشام الذين جهلوه وجهلوا آباءه ، وأمر بالوقت باعتقال الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة ، وبلغ ذلك الإمام زين العابدين فبعث إليه باثني عشر ألف درهم فردها الفرزدق ، واعتذر من قبولها ، وقال : إنما قلت فيكم غضبا للّه ورسوله فردها الامام عليه فقبلها ، وجعل الفرزدق يهجو هشاما وكان مما هجاه به : أيحبسني بين المدينة والتي * إليها قلوب الناس يهوى منيبها يقلب رأسا لم يكن رأس سيد * وعين له حولاء باد عيوبها « * » الحزن العميق : ولم ينكب أحد في هذه الدنيا بمثل ما نكب به الإمام زين العابدين عليه السلام فقد عانى أهوال كارثة كربلا ، وشاهد فصول تلك المأساة الخالدة في دنيا الأحزان ، وكان مريضا قد ألمت به العلل والأمراض ، وقد أدمت قلبه تلك المشاهد الحزينة فكانت تبعثه على الاستمرار في البكاء واللوعة ، وكان حزنه يزداد تحرقا وتأججا كلما تقدمت الأيام حتى براه الحزن ، وبلغ من عظيم حزنه انه ما قدم له طعام ولا شراب إلا مزجه بدموع عينيه حزنا على أبيه « 28 » وألح عليه بعض مواليه ان يخلد إلى الصبر ويخفف لوعة المصاب فقال له : اني أخاف عليك أن تكون من الهالكين ، فاجابه الامام برفق ولطف قائلا : « يا هذا إنما اشكو بثي وحزني إلى اللّه ، واعلم ما لا تعلمون ، ان يعقوب كان نبيا فغيب اللّه عنه واحدا من أولاده وعنده اثنا عشر ولدا ، وهو يعلم أنه حي فبكى عليه حتى أبيضت عيناه من الحزن ، وأني نظرت
--> * نهاية الإرب 21 / 327 - 331 . ( 28 ) حياة الإمام الحسين 3 / 327 .