الشيخ باقر شريف القرشي
9
حياة الإمام زين العابدين ( ع )
- 4 - وكان من مظاهر تخليده للثورة الحسينية كثرة بكائه على ما حل بأبيه وأهل بيته وأصحابه من أهوال يوم الطف ، فقد حرم الإمام على نفسه الفرح والسرور ، وذاب أسى وحزنا ، وعد من البكائين الخمس الذين مثلوا الأسى على امتداد التأريخ . وفيما أحسب أن كثرة بكائه ليس من عظم ما مني به من الخطوب ، والمصائب الجسام التي حلت به من فجائع كربلاء ، وإنما كان تخليدا لثورة أبيه التي كانت من أجل تحرير الإنسان من الظلم والعبودية والطغيان ، وقد احدث بكاؤه على أبيه لوعة في نفوس المسلمين ولعل هذه الظاهرة جملة من العوامل التي حفزت الجماهير الإسلامية على مناجزة الحكم الأموي ، فقد انطلقت الشرارة الأولى من يثرب ، فأعلن أبناء الصحابة عصيانهم المسلح على حكومة يزيد التي استهانت بقيم الأمة ومقدراتها . - 5 - واتجه الإمام الأعظم زين العابدين عليه السلام - بعد كارثة كربلا - صوب العلم لأنه وجد فيه خير وسيلة لأداء رسالته الاصلاحية ، كما وجد فيه خير ضمان لراحته النفسية التي أذابتها كوارث كربلا ، وقد هرع للانتهال من بحر علمه أبناء الصحابة ، والعلماء والفقهاء ، فأخذ يغذيهم بعلومه ومعارفه ليكونوا منارا للعلم والأدب في العالم الإسلامي ، ويعرض هذا الكتاب إلى اعطاء صورة من تراجمهم . لقد انبرى الإمام عليه السلام إلى إنارة الفكر العربي والإسلامي بشتى أنواع العلوم والمعارف ، وقد دعا ناشئة المسلمين إلى الإقبال على طلب العلم ، وحثهم عليه ، وقد مجّد طلابه ، وأشاد بحملته ، وقد نمت ببركته الشجرة العلمية المباركة التي غرسها جده الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله ، فأقبل الناس - بلهفة - على طلب العلم ودراسته فكان حقا من ألمع المؤسسين للكيان العلمي والحضاري في دنيا الإسلام .