الشيخ باقر شريف القرشي
202
حياة الإمام زين العابدين ( ع )
« لقد بيّن عليك الاجتهاد ، ولقد سبق لك من الله الحسنى ، وأنت بضعة من رسول الله ( ص ) قريب النسب ، وكيد السبب ، وإنك لذو فضل عظيم على أهل بيتك ، وذوي عصرك ، ولقد أوتيت من الفضل والعلم والدين والورع ما لم يؤته أحد مثلك ، ولا قبلك إلا من مضى من سلفك . . » . وأقبل على الإمام يطريه ، ويذكر فضله ومآثره ، فلما انتهى من كلامه ، قال له الإمام : « كل ما ذكرته من فضل الله سبحانه ، وتأييده وتوفيقه ، فأين شكره على ما أنعم ؟ ولقد كان رسول الله ( ص ) يقف للصلاة حتى تتورم قدماه ، ويظمأ في الصيام حتى يعصب فوه « 1 » فقيل له يا رسول الله ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك ، وما تأخر ، فيقول صلى الله عليه وآله : أفلا أكون عبدا شكورا . الحمد لله على ما أولى ، وأبلى ، وله الحمد في الآخرة والأولى ، والله لو تقطعت أعضائي ، وسالت مقلتاي على صدري لن أقوم لله جلّ جلاله بشكر عشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمه التي لا يحصيها العادون ، ولا يبلغ أحد نعمة منها ، على جميع حمد الحامدين ، لا واللّه أو يراني الله لا يشغلني شيء عن شكره وذكره في ليل ولا نهار ، ولا سر ولا علانية ، ولولا أن لأهلي علي حقا ، ولسائر الناس من خاصهم وعامهم علي حقوقا لا يسعني إلا القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى أؤديها إليهم لرميت بطرفي إلى السماء ، وبقلبي إلى الله ، ثم لم أردهما حتى يقضي الله على نفسي وهو خير الحاكمين . . » . وبكى الإمام بكاء شديدا ، وأثر كلامه ومنظره الذي تعنو له الجباه ، وتذل له الرقاب في نفس الطاغية عبد الملك ، فراح يقول بتأثر وإعجاب : « شتان بين عبد طلب الآخرة ، وسعى لها سعيها ، وبين من طلب الدنيا من أين جاءته ، ما له في الآخرة من خلاق . . » .
--> ( 1 ) عصب فوه : أي جف ريقه .