الشيخ باقر شريف القرشي
196
حياة الإمام زين العابدين ( ع )
بهم رب في الستر علي « 1 » ووثقت ربك رب في المغفرة لي ، وأنت أولى من وثق به ، واعطى من رغب إليه ، وأرأف من استرحم فارحمني . . . » . واعرب الإمام عليه السلام في هذه الفقرات عن عظيم ثقته ورجائه بعفو اللّه والطافه وطلب منه المغفرة والرضوان في دار الجزاء ، وعرض عليه السلام لستر اللّه المرخى على عصاة عباده ، كما طلب منه أن يجيره من فضيحات دار البقاء عند مواقف الأشهاد من الملائكة المقربين ، والرسل المكرمين ، والشهداء والصالحين ، واعطى عليه السلام بذلك درسا إلى عصاة المسلمين في أن يتوبوا إلى اللّه توبة نصوحة ، ويعملوا صالحا ليظفروا برضوان اللّه ورحمته التي وسعت كل شيء . . . ونعود إلى النظر في لوحة أخرى من هذا الدعاء الشريف : « اللهم : وأنت حدرتني « 2 » ماء مهينا من صلب متضايق العظام « 3 » حرج المسالك « 4 » إلى رحم ضيقة سترتها بالحجب ، تصرفني حالا عن حال ، حتى انتهيت بي إلى تمام الصورة ، وأثبت فيّ الجوارح كما نعت في كتابك « 5 » نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم عظاما ، ثم كسوت العظام لحما ، ثم أنشأتني خلقا آخر كما شئت ، حتى إذا احتجت إلى رزقك ، ولم استغن عن غياث فضلك ، جعلت لي قوتا من فضل طعام ، وشرابا أجريته لأمتك « 6 » التي أسكنتني جوفها ، وأودعتني قرار رحمها ، ولو تكلني يا رب في تلك الحالات إلى حولي ، أو تضطرني إلى قوتي لكان الحول عني معتزلا « 7 »
--> ( 1 ) أراد عليه السلام انه لم يثق بمن عرفه أنهم ان عرفوا السريرة قاموا بإفشائها ، وفي ذلك درس إلى المسلمين في أن يتصلوا باللّه وإلا فإنه منزه عن كل ذنب . ( 2 ) حدرتني : أي انزلتني . ( 3 ) متضايق العظام : أراد بها عظام الصلب ، وهي متداخلة . ( 4 ) حرج المسالك : أي ضيق الطريق . ( 5 ) أشار ( ع ) إلى الآية الكريمة : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ، ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ . ( 6 ) لأمتك : أراد بها والدته . ( 7 ) معتزلا : أي بعيدا .