العلامة المجلسي

125

بحار الأنوار

الكلف الحاصل في وجه القمر فهو أيضا برهان قاطع على صحة قول المسلمين في المبدء والمعاد ، أما دلالته على صحة قولهم في المبدء فلان جرم القمر جرم بسيط عند الفلاسفة فوجب أن يكون متشابه الصفات ، فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدل على أنه ليس بسبب الطبيعة بل لأجل أن الفاعل المختار خصص بعض أجزائه بالنور القوي وبعض أجزائه بالنور الضعيف ، وذلك يدل على أن مدبر العالم فاعل مختار لا موجب بالذات . وآخر ( 1 ) ما ذكره الفلاسفة في الاعتذار عنه أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك ، فلما كانت تلك الاجرام أقل ضوءا من جرم القمر لا جرم شوهدت تلك الاجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الانسان . وهذا لا يفيد مقصود الخصم لان جرم القمر لما كان متشابه الاجزاء فلم ارتكزت تلك الاجرام الظلمانية في بعض أجزاء القمر دون سائر الأجزاء ، وبمثل هذا الطريق يتمسك في أحوال الكواكب وذلك لان الفلك جرم بسيط متشابه الاجزاء فلم يكن حصول جرم الكواكب في بعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب ، وذلك يدل على أن اختصاص ذلك الكواكب بذلك الموضع المعين من الفلك لأجل تخصيص الفاعل المختار الحكيم . وأما قوله ( وجعلنا آية النهار مبصرة ) ففيه وجهان : الأول أن معنى كونها مبصرة أي مضيئة ، وذلك لان الإضاءة سبب لحصول الابصار ، فأطلق اسم الابصار على الإضاءة إطلاقا لاسم المسبب على السبب . والثاني قال أبو عبيدة : يقال قد أبصر النهار إذا صار الناس يبصرون فيه ، كقوله ( رجل مخبث ) إذا كان أصحابه خبثاء ، و ( رجل مضغف ) إذا كان دوابه ( 1 ) ضغافا ، فكذا قوله ( والنهار مبصرا ) أي أهله بصراء ( لتبتغوا فضلا من ربكم ) أي لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم ( ولتعلموا عدد السنين والحساب ) أعلم أن الحساب يبنى على أربع مراتب : الساعات

--> ( 1 ) في المصدر : وأحسن . ( 2 ) في المصدر : إذا كان ذراريه صغافا .