محمد بن عمر بحرق الحضرمي الشّافعي
55
حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار ( المسمى تبصرة الحضرة الأحمدية الشّاهدية بسيرة الحضرة الأحمدية النبوية )
شمس الهدى ، وطوّق جيد الوجود بعقود الإفضال ، ودارت أفلاك السّعود بقطب دائرة الكمال ، فوضعته صلى اللّه عليه وسلم واضعا يديه على الأرض ، رافعا رأسه إلى السّماء ، مقطوع السّرّة ، مختونا ، منزّها عن قذر النّفاس ، مكرّما . فأضاءت له قصور ( بصرى ) من أرض الشّام . وخمدت نار الفرس الّتي يعبدونها ، ولم تخمد منذ ألف عام . وانشق لهيبته حين ولد إيوان كسرى . وتواصلت من الرّهبان والكهّان هواتف البشرى ، وأشرقت مطالع الأنوار بميمون وفادته ، وتعبّقت أرجاء الأقطار بطيب ولادته ، وخرّت الأصنام على وجوهها إذعانا لسيادته . فأرضعته ثويبة - مولاة عمّه - أيّاما ، ثم تولّته حليمة السّعديّة رضاعا وفطاما ، فشملتها / البركات بحضانته ، ولم تزل تتعرّف منه الخيرات في مدّته ، فدرّ ثديها عليه بعد أن كان عاطلا ، وجادت شارفها « 1 » باللّبن بعد أن كانت لا تروي ناهلا « 2 » ، وأسرعت أتانها « 3 » في السّير وقد كانت ثاقلا ، وأخصبت بلادها وكانت قبل ذلك ماحلا . ثم فصلته بعد أن تم له الحولان ، وكان يشب شبابا « 4 » لا يشبّه الغلمان ، وظهرت لها في صغره مخائل « 5 » نبوّته ، وأخذه الملكان من بين الصّبيان ، فشقّا من تحت صدره إلى سرّته ، فاستخرجا منه علقة سوداء ، وقالا : هذا حظّ الشّيطان ، وغسلاه بماء الكوثر ، ثم ختماه بالحكمة والإيمان .
--> ( 1 ) الشّارف : الناقة المسنّة . ( 2 ) شاربا واحدا . نهل الشّارب : شرب حتّى روي ، فهو ناهل . ( 3 ) الأتان : الحمارة . ( 4 ) ينمو نموا سريعا . شب يشب شبابا وشبيبة : الفتاء والحداثة . ( 5 ) المخائل : الدّلائل . يقال : أخال فلان للخير ، أي : ظهرت دلائله فيه .