محمد بن عمر بحرق الحضرمي الشّافعي
56
حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار ( المسمى تبصرة الحضرة الأحمدية الشّاهدية بسيرة الحضرة الأحمدية النبوية )
قلت : المشهور في الأحاديث الصّحيحة أنّهما غسّلاه بماء زمزم . فلذلك جزم البلقينيّ وغيره من المتأخّرين أن ماء زمزم أفضل من الكوثر . ثم ماتت لسن تمييزه أمّه ، وكفله جدّه ، ثم عمّه ، ولم يزل صلى اللّه عليه وسلم ينشأ وعين العناية ترعاه وتحفظه ممّا يحذره ويخشاه ، ومنحه اللّه تعالى منذ نشأ كل خلق جميل ، وأحلّه من القلوب بالمحل الجليل ، وعرف من بين أقرانه بالعفّة والصّيانة ، وتميّز عند أهل زمانه بالصّدق والأمانة . ولمّا أخذت مطالع بعثته في أفق سموّها ، وآن لشمس نبوّته أن تطلع من علوّها ؛ حبّبت إليه الخلوة للأنس بربّه . فكان يخلو في ( حراء ) ويتنعّم بقربه ، وكانت تظهر له الأضواء والأنوار ، وتسلّم عليه بالرّسالة الأحجار والأشجار . ثم كان وحيه مناما ، وتعليمه إلهاما ، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح ، ولا ينوي أمرا إلّا ظفر بالفوز والنّجح . فلمّا بلغ الأربعين ؛ جاءه جبريل الأمين من ربّه ذي الجلالة ، بمنشور « 1 » النّبوّة والرّسالة ، فأقرأه : اقْرَأْ بِاسْم رَبِّك الَّذِي خَلَق . خَلَق الْإِنْسان مِن عَلَق . اقْرَأْ ورَبُّك الْأَكْرَم . الَّذِي عَلَّم بِالْقَلَم . عَلَّم الْإِنْسان ما لَم يَعْلَم [ سورة العلق 96 / 1 - 5 ] . فمكث صلى اللّه عليه وسلم ب ( مكّة ) ثلاث عشرة سنة ، يدعوهم إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، فامن به من سبقت له السّعادة في دار البقاء ، وكذّب به من كتب عليه في الأزل الشّقاء .
--> ( 1 ) المنشور : بيان بأمر من الأمور يذاع بين النّاس ليعلموه . ( أنصاريّ ) .