علي بن عبد الله السمهودي

131

جواهر العقدين في فضل الشرفين

نزلت منهم في الرّخاء ، رضا [ 47 و ] عن اللّه تعالى بالقضاء ، فلولا الآجال التي كتب اللّه تعالى لهم ، لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ، شوقا إلى لقاء اللّه والثواب ، وخوفا من أليم العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم ، وصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنّة كمن « 1 » رأها ، فهم على أرائكها متّكئون ، وهم والنّار كمن رأها فهم فيها يعذّبون ، صبروا أياما قليلة ، فأعقبتهم راحة طويلة ، أرادتهم الدّنيا فلم يريدوها ، وطلبتهم فأعجزوها ، أمّا اللّيل فصافّون « 2 » أقدامهم ، تالون لأجزاء القرآن ترتيلا ، يعظون أنفسهم بأمثاله ، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة ، وتارة مفترشون جباههم وأكفهم وركبهم ، وأطراف أقدامهم ، تجري دموعهم على خدودهم ، يمجّدون جبّارا عظيما ، ويجارون اليه في فكاك رقابهم ، هذا ليلهم ، فأمّا نهارهم ، فحلماء علماء ، بررة أتقياء ، برّهم خوف باريهم ، فهم كالقداح تحسبهم مرضى ، أو قد خولطوا ، وما هم بذلك ، بل خامرهم من عظمة ربّهم وشدّة سلطانه ، ما طاشت له قلوبهم ، وذهلت منه عقولهم ، فإذا اشتفوا من ذلك ، بادروا إلى اللّه تعالى بالأعمال الزاكية لا يرضون له بالقليل ، ولا يستكثرون له الجزيل ، فهم لأنفسهم متّهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، ترى لأحدهم قوة في دين ، وحزما في لين ، وايمانا في يقين ، وحرصا على علم ، وفهما في فقه ، وعلما في حلم وكيسا في قصد ، وقصدا في غنى ، وتجمّلا في فاقة ، وصبرا في شدّة ، وخشوعا في عبادة ، ورحمة بمجهود ، واعطاء في حقّ ، ورفقا في كسب ، وطلبا في [ 47 ظ ] حلال ، ونشاطا في هدى ، واعتصاما في شهوة ، لا يغرّه ما جهله ، ولا يدع احصاء ما علمه ، يستبطي نفسه في العمل ، وهو من صالح

--> ( 1 ) في ( ب ) : ( قد رأها ) ، وهو خطأ . ( 2 ) في الأصل : ( فصارفون ) ، وهو تحريف .